في مؤتمر بالرياض، وقف سعود قرب طاولة القهوة وهاتفه في يده. كان منشوره الأخير قد تجاوز الألف إعجاب قبل ساعة، وهو يراقب الرقم وهو يرتفع. أربعون ألف متابع على لينكدإن، ومنشور كل صباح، وحكاية وسؤال وخطاف في أول سطر. لقد فعل كل ما قالته الأدلة، وفعله جيداً.
اقترب رجل من مجموعة قريبة ونظر حوله. لم يتجه نحو سعود. مرّ بجانبه بابتسامة مجاملة، ثم توقف عند رجل هادئ يقف على بعد خطوتين، رجل نادراً ما ينشر شيئاً. تحدثا دقيقتين، ثم خرجا معاً من القاعة. وبقي سعود واقفاً مع هاتفه، يشعر بشيء لا يعرف اسمه بعد.
كان لدى سعود جمهور. وكان لدى الرجل الهادئ شيء آخر، شيء لم يظهر في أي منشور.
سعود لم يفعل شيئاً خاطئاً بالمقاييس التي يعرفها. زادت أرقامه كل شهر، وصار وجهه مألوفاً. قرأ عشرات المقالات عن بناء العلامة الشخصية، وحفظ أكثرها، ولم يجد وقتاً ليعيش ما فيها. لكن حين تحرّكت فرصة حقيقية في تلك القاعة، تحركت نحو رجل لا يعرفه إلا القليل. وهنا المفارقة التي لا ينتبه لها كثيرون. أن تكون معروفًا شيء، وأن تكون موثوقًا شيء آخر.
في التسويق نتعلم مبكراً أن العلامة التجارية ليست الشعار، وليست الإعلان. العلامة هي ما يخطر في ذهن الناس حين يسمعون اسمك، والوعد الذي يحملونه عنك قبل أن تتكلم. أنت لا تملك علامتك، الناس هم من يملكونها. أنت فقط تؤثر فيما يضعونه في رؤوسهم.
والسمعة هي هذا الوعد بعد أن يُختبر عبر الزمن. العلامة تقول هذا ما أعِدك به، والسمعة تقول هذا ما حدث فعلًا حين وثق بك أحد. لهذا لا تُبنى السمعة في يوم. تُبنى حين يتكرر الوعد نفسه، ويصدق في كل مرة.
معظم من يشتغلون على علاماتهم الشخصية يشتغلون على الصورة، لا على السمعة. الصورة ما تعرضه أنت، والسمعة ما يقوله عنك غيرك. الصورة تحت سيطرتك، تختار الكلمة والزاوية واللحظة، أما السمعة فتقع خارجك، في رؤوس الناس، ولا تصنعها بالكلام بل بما يرونه منك مرة بعد مرة. من يعتني بصورته ويهمل سلوكه يبني واجهة جميلة على أساس فارغ. وأول اختبار حقيقي يكشف الفرق.
قبل لينكدإن بقرون، كان في السوق تاجر لا يعرف القراءة، لكن اسمه كان يكفي. تأخذ منه البضاعة وتدفع لاحقًا، لأن كلمته لم تسقط مرة. لم يكن يملك منصة ولا متابعين ولا خطافًا في أول السطر، كان يملك شيئًا أثقل، سمعة يعرفها كل من في السوق. اسمه كان علامته، وسلوكه كان تسويقه.
ثم جاء لينكدإن وغيّر شيئًا واحدًا كبيرًا. أعطى الجميع منبرًا، فصار كل من يملك هاتفًا قادرًا على أن يبدو خبيرًا. وحين يستطيع الجميع أن يبدوا خبراء، يتوقف الظهور عن أن يكون دليلًا على الخبرة. وكلما سهُل الإنتاج، صار الظهور أرخص. اليوم تستطيع آلة أن تكتب لك منشورًا في ثوانٍ، وأن تصوغه بلغة أنيقة، وأن تقترح لك الخطاف المناسب. صار بإمكان أي أحد أن يبدو مثقفًا، وأن يبدو صاحب رأي. وحين يصبح "أن تبدو" متاحًا للجميع بضغطة زر، يعود السؤال القديم أثقل من أي وقت: إذا استطاع الجميع أن يظهروا، فمن الذي يستحق أن يُصدَّق؟
هذا ما لم يفهمه سعود. ظنّ أن المشكلة في عدد المنشورات فزادها، وظنّها في جودة الخطاف فحسّنه. لكن المشكلة لم تكن هناك أصلًا. كان يتنافس في ساحة يستطيع الجميع دخولها، ويظن أن مجرد الوقوف فيها يعني شيئًا.
السؤال الذي كان على سعود أن يسأله لم يكن كيف أزيد متابعيّ. كان سؤالًا آخر تمامًا.
هل أبني جمهورًا يتابعني، أم سمعة تشهد لي؟
الفرق بينهما ليس في الحجم. الجمهور رقم يكبر وينكمش مع كل منشور، أما السمعة فهي ما يقوله الناس عنك حين لا تكون في الغرفة. الجمهور يصفّق لك وأنت تتكلم، والسمعة تدافع عنك وأنت غائب. يمكن أن تملك جمهورًا كبيرًا وسمعة صغيرة، ويمكن أن يعرفك مئة شخص فقط، لكن كلمة كل واحد منهم تفتح لك بابًا.
وهنا تكمن الحيلة التي تخدع الكثيرين. المحتوى يعطيك إشارات سريعة. تنشر صباحًا وترى الأرقام مساءً، فتشعر أنك تتقدم. أما السمعة فلا ترسل إشارات يومية. تُبنى بصمت، وعلى مدى سنوات، ولا تعرف أنها اكتملت إلا حين تفتح لك بابًا لم تطرقه. لذلك يترك كثيرون الطريق الطويل، وينشغلون بالطريق الذي يصفّق لهم كل يوم. يختارون التصفيق السريع على المكانة البطيئة، ثم يتساءلون لماذا لم يتغير موقعهم.
في التسويق قاعدة يعرفها كل من اشتغل به. العلامة القوية تملك فكرة واحدة، وحين تسأل الناس عنها يجيبون بكلمة واحدة. لكن معظم من يكتبون على لينكدإن يفعلون العكس. ينشرون في عشرة مواضيع، ويظنون أن التنوع قوة، والنتيجة أن الناس لا يربطون اسمهم بأي شيء. سعود كتب عن القيادة، وعن الإنتاجية، وعن ريادة الأعمال، وعن التقنية، وعن تطوير الذات. فصار في الأذهان اسمًا يكتب كثيرًا، عن لا شيء بعينه.
الرجل الهادئ كان يملك كلمة واحدة. حين يُذكر اسمه، يعرف الناس في أي شيء هو مرجع. لم يكن أذكى من سعود، كان أكثر تركيزًا. اختار أرضًا صغيرة، ووقف عليها سنوات، حتى صارت الأرض تُعرف باسمه.
لماذا لا يفعل الناس هذا إذًا؟ لأن التركيز يخيف. حين تختار موضوعًا واحدًا تشعر أنك تغلق أبوابًا، وتظن أنك ستفوّت فرصًا في المواضيع الأخرى. لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. من يتكلم في كل شيء لا يُطلب في أي شيء، ومن يملك أرضًا واحدة يأتيه الناس إليها.
وهنا يصبح السوق السعودي مختلفًا عن غيره. السوق هنا صغير ومترابط، الناس يعرفون بعضهم أو يعرفون من يعرفهم. الخبر يمشي بسرعة، والاسم يسبق صاحبه إلى الاجتماع. هذا يعني أن الاتساق يتراكم بسرعة، وأن التناقض ينكشف بسرعة أيضًا. من يكتب شيئًا ويعيش نقيضه لا يحتاج وقتًا طويلًا حتى يعرف السوق حقيقته، ومن يقول كلمة واحدة ويصدقها كل مرة تكبر مكانته أسرع مما تكبر في سوق كبير غريب.
فكّر كيف يُملأ مقعد في مجلس إدارة، أو كيف يُختار مستشار. لا أحد يفتح لينكدإن ليعدّ المتابعين. يُسأل من نثق به في هذا المجال، ويُنتظر أن يذكر اسمك أحد يُوثق برأيه. المتابعون لا يجلسون في تلك الغرفة، لكن سمعتك تجلس فيها نيابة عنك. وحين يُذكر اسمك، السؤال الوحيد المهم هو ماذا سيقول من يعرفك.
لذلك فإن لينكدإن في السعودية ليس منبرًا للغرباء. هو أقرب إلى مجلس. الذين يقرؤونك تقابلهم في المؤتمرات وفي الاجتماعات وفي الصفقات. أنت لا تنشر لجمهور بعيد لن تراه، بل لسوق ستجلس معه غدًا. وهذا يغيّر كل حساباتك. المنشور الذي يعجب غريبًا عابرًا قد يضرّك أمام من يعرفك ويجلس معك.
هنا القاعدة التي تعلّمها سعود متأخرًا. لينكدإن لا يصنع المكانة، هو يكبّرها إن وُجدت، ويكبّر فراغها إن لم توجد. المنصة مكبّر صوت، لا مصدر صوت. إن كان خلف المنشور عمل حقيقي ظهر العمل أكبر، وإن لم يكن خلفه شيء ظهر الفراغ أوضح.
المحتوى يصنع الظهور. والسلوك يصنع السمعة.
بعد أشهر عاد سعود إلى مؤتمر آخر، ولم يكن يحمل هاتفه هذه المرة. كان قد قلّل منشوراته إلى النصف، وترك أربعة من المواضيع الخمسة، وأبقى واحدًا فقط، الموضوع الذي يعرفه أكثر من غيره ويصدقه في عمله كل يوم. لم يفعل ذلك ليبدو أذكى، فعله لأنه أخيرًا عرف على أي أرض يريد أن يقف.
لم تتضاعف أرقامه، بل نزل بعضها. لكن شيئًا آخر بدأ يحدث. صار اسمه يُذكر حين يُذكر موضوعه في مجلس. لم يعد يطارد الغرفة، صارت الغرفة أحيانًا تلتفت إليه.
الجمهور يُصنع بالمنشورات. والمكانة تُصنع بما تفعله حين لا ينظر إليك أحد.
التعليقات