ليلة في حياة شخص آخر
في الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة ليلًا، كان ناصر مستلقيًا على سريره، والهاتف فوق وجهه. كان يقرأ منشورًا لزميل قديم أعلن فيه عن ترقيته. قرأه مرتين، ثم نزل إلى التعليقات.
ثلاثمئة وأربعون تعليقًا. قرأ أكثرها. توقف عند تعليق من مدير سابق كتب "تستاهل"، وسأل نفسه: منذ متى يعرفان بعضهما؟ ثم فتح حساب الزميل، ورجع إلى صوره قبل سنتين، ليرى متى بدأ يتغير.
بعد نصف ساعة، كان ناصر يعرف عن حياة زميله أكثر مما يعرفه الزميل عن نفسه. يعرف أين سافر، ومع من يجلس، ومن توقف عن الإعجاب بمنشوراته. وكان قد وصل إلى نتيجة هادئة ومريحة: "أكيد فيها واسطة."
أطفأ الشاشة. وفي العتمة، كان على الرف المقابل صندوق خشبي صغير لم يفتحه منذ أشهر. فيه أدوات جده لإصلاح الساعات القديمة، ومفكات بحجم الإبرة، وساعة جيب نحاسية متوقفة عند الرابعة وعشر دقائق. كان ناصر يحب هذا الصندوق. أو كان يحبه.
الاجتماع الذي قال فيه أقل مما يشعر
في صباح اليوم التالي، جلس ناصر في اجتماع الفريق. كانت عنده فكرة جيدة عن طريقة جديدة لعرض المشروع على العميل. فكّر فيها في السيارة، وتحمس لها، ورتب كلماتها وهو ينتظر عند الإشارة.
لكن عندما جاء دوره، قالها ببرود. "يعني، ممكن نجرب كذا، ما أدري." ثم رفع كتفيه قليلًا، كأنه يعتذر عن الفكرة قبل أن يسمعها أحد. مرت الفكرة دون أن يلتفت إليها أحد. وبعد أسبوعين، اقترح زميل آخر شيئًا قريبًا منها بصوت عالٍ ووجه متحمس، فأُعجب بها المدير.
لماذا قالها ناصر هكذا؟ لم يكن خجولًا. كان يتكلم بطلاقة عن أي شيء لا يهمه. لكنه تعلّم في مكان ما أن الحماس فيه شيء من السذاجة. أن الشخص "الثقيل" لا يظهر أنه يهتم كثيرًا. وأن البرود نوع من الأناقة.
نحن نعرف هذا الشعور جميعًا. نخفي فرحتنا بكتاب أعجبنا كي لا نبدو مبالغين. نقلل من حكاية رحلة جميلة كي لا يظن أحد أننا نتباهى. ونتكلم عن عملنا بنبرة متعبة، لأن التعب يبدو أكثر احترامًا من الشغف.
العين التي تراقب تخاف أن تُراقَب
في الظاهر، عند ناصر مشكلتان مختلفتان. في الليل يراقب حياة غيره أكثر مما يجب. وفي النهار يخفي حماسه أكثر مما يجب. الأولى تبدو فضولًا زائدًا، والثانية تبدو حياءً زائدًا.
لكن انظر إليهما مرة أخرى. ناصر الذي قضى نصف ساعة يقرأ تعليقات الناس ويحسب نواياهم، هو نفسه الذي جلس في الاجتماع يحسب ماذا سيقول الناس عن نبرة صوته. هو لا يعيش حياتين. يعيش حياة واحدة، كلها في الخارج.
ثم يأتي السؤال الذي لا نحب أن نطرحه على أنفسنا:
هل نخفي حماسنا لأننا خجولون، أم لأننا نعرف كيف ننظر نحن إلى المتحمسين؟
من يقرأ نوايا الناس كل ليلة، يعرف أن الناس يقرؤون نواياه أيضًا. ومن يقول عن ترقية زميله "أكيد واسطة"، يعرف أن أحدًا ما سيقول عن حماسه "يبي يبين نفسه". العين التي تراقب تتعلم أن تخاف من العيون. وهكذا يصبح الإنسان متفرجًا مرتين: يتفرج على الناس، ويتفرج على نفسه كما يراه الناس.
ولهذا لا يكفي أن نقول لناصر "لا تتدخل في حياة الآخرين". ولا يكفي أن نقول له "لا تخجل من حماسك". النصيحتان صحيحتان، لكنهما تعالجان الأطراف. المشكلة في مكان آخر. المشكلة في المكان الذي يسكن فيه انتباهه.
صحن يدور في مطعم الجامعة
بعد الحرب العالمية الثانية، وصل الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فاينمان إلى جامعة كورنيل وهو في حالة غريبة. كان شابًا لامعًا، لكنه شعر أنه انطفأ. يجلس أمام الأوراق فلا يأتي شيء. وكان يرى الجامعات الأخرى ترسل إليه عروضًا، فيزداد شعوره بأنه لا يستحقها، وبأن الناس ينتظرون منه شيئًا لا يملكه.
ثم قرر، كما يروي هو، قرارًا بسيطًا. سيتوقف عن التفكير في ما ينتظره الناس منه. وسيلعب بالفيزياء كما كان يلعب بها وهو صغير، فقط لأنها ممتعة، دون أن يسأل هل هي مهمة.
بعد أيام قليلة، كان جالسًا في مطعم الجامعة. رمى أحد الطلاب صحنًا في الهواء على سبيل المزاح. لاحظ فاينمان أن الصحن يتمايل وهو يدور، وأن الشعار المرسوم عليه يدور بسرعة مختلفة عن سرعة التمايل. شيء تافه تمامًا. لم يلتفت إليه أحد غيره.
جلس يحسب حركة الصحن، بلا هدف، وبحماس طفل. وقال له زميل كبير: وما أهمية هذا؟ فأجاب بأنه لا يهم، وأنه يفعله للمتعة. لكن هذا اللعب، كما قال فاينمان لاحقًا، قاده خطوة بعد خطوة إلى الأعمال التي نال عليها جائزة نوبل.
لاحظ ما حدث. فاينمان لم يصبح أذكى. هو فقط أخرج انتباهه من عيون الناس، وأعاده إلى الصحن. وعندما عاد انتباهه إليه، عاد معه الحماس. لم يكن الحماس شيئًا يحتاج شجاعة ليظهره. كان نتيجة طبيعية لإنسان مشغول تمامًا بشيء يحبه.
الناس يتبعون من نسي أنهم ينظرون
هنا تلتقي النصيحتان اللتان بدأنا منهما. الانشغال بنفسك ليس أنانية. والحماس للحياة ليس سذاجة. هما وجهان لشيء واحد: أن يكون انتباهك في الداخل لا في الخارج.
ومن يعمل في السمعة يرى هذا كل يوم. نظن أن السمعة تُبنى بمراقبة الآخرين: ماذا ينشر المنافس، ومن صعد، ومن سقط، وما الذي يعجب الجمهور. فنقضي الوقت في قراءة الساحة، ونعود بقائمة طويلة عن الناس، وقائمة قصيرة جدًا عن أنفسنا.
لكن الأسماء التي يثق بها الناس نادرًا ما تكون أسماء من راقبوا جيدًا. هي أسماء من انشغلوا بشيء حتى ظهر عليهم. الطبيب الذي تلمع عيناه وهو يشرح حالة نادرة. الحرفي الذي ينسى الوقت وهو يحكي عن نوع الخشب. صاحب المطعم الذي يحدثك عن مصدر البن كأنه يحدثك عن أحد أبنائه. هؤلاء لا يحاولون الظهور. لكنك تصدقهم، لأن الحماس لا يُمثَّل طويلًا.
والذي يراقب غيره لا يملك هذا. لا لأنه أقل موهبة، بل لأن انتباهه موزع على مئة حياة ليست حياته. وما يتبقى منه لعمله لا يكفي ليشتعل.
السمعة لا تُبنى بما تعرفه عن الناس. تُبنى بما تنشغل به وأنت لا تعرف أنهم ينظرون.
الساعة التي عادت تدور
بعد أسابيع، في ليلة عادية، أمسك ناصر هاتفه كعادته في الحادية عشرة. ظهر أمامه إشعار عن منشور جديد للزميل نفسه. نظر إليه لحظة. ثم وضع الهاتف على الشاحن في الغرفة الأخرى، ورجع.
فتح الصندوق الخشبي. أخرج ساعة الجيب النحاسية، وفتح غطاءها الخلفي تحت ضوء المكتب. كان هناك نابض صغير منحرف عن مكانه، بحجم شعرة. أمضى ساعتين يحاول إعادته. لم ينجح في الليلة الأولى، ولا في الثانية. لكنه لاحظ شيئًا لم يلاحظه منذ زمن طويل. أنه لم يفكر في أحد طوال الوقت.
في الليلة الثالثة، تحركت العقارب. وفي صباح اليوم التالي، في الاجتماع، تحدث عن فكرة جديدة بصوت لم يسمعه زملاؤه منه من قبل. لم يقرر أن يكون متحمسًا. كان فقط قد نسي، لبضعة أيام، أن يراقب نفسه بعيون غيره.
ظن ناصر طوال تلك الأشهر أن الساعة معطلة، وأنها تحتاج من يصلحها. لكنها كانت تفعل ما يفعله كل شيء نتركه. تتوقف عند آخر لحظة كنا فيها حاضرين.
التعليقات