فهد في هذا المقال شخصية افتراضية، وتفاصيله مكتوبة لتوضيح الفكرة.

في صباح يوم خميس، نشرت صحيفة اقتصادية خبرًا صغيرًا عن فهد. يملك فهد محمصة قهوة في الرياض، بدأها قبل ثلاث سنوات بجهاز واحد وموظفين اثنين. كان الخبر لطيفًا، فيه صورة له وهو يمسك كيس حبوب، وفقرتان عن قصته.

قبل ذلك اليوم، لم يكتب عنه أحد تقريبًا شيئًا سيئًا. ولا شيئًا جيدًا أيضًا، لو أردنا الصدق. كان يبيع قهوته، ويرد على رسائل زبائنه، وينام مرتاحًا.

بحلول المساء، وصل الخبر إلى أربعمئة تعليق. كتب أحدهم أن الأمر كله تسويق وأن القهوة عادية. وسأل آخر من أين جاء بالمال. وكتب ثالث أنه كان يشتري منه قبل أن يشتهر، وكانت قهوته أحسن وقتها.

قرأ فهد التعليقات في الواحدة بعد منتصف الليل. قرأها أربع عشرة مرة تقريبًا، كأن المرة الخامسة عشرة ستغير شيئًا. القهوة هي نفسها، والحبوب نفسها، والجهاز نفسه، واليد نفسها. الذي تغيّر شيء آخر.

ظننا أن الهجوم حكم على الجودة

أول ما يفعله فهد، وما نفعله نحن غالبًا، أن يقرأ الهجوم كأنه تقييم. إذا قالوا إن القهوة عادية، فربما صارت عادية. وإذا قالوا إنها تسويق فقط، فربما أنفق على الصورة أكثر مما أنفق على الحبوب. هذه طريقة معقولة في التفكير، وأحيانًا تكون صحيحة تمامًا.

لكنها تتجاهل أمرًا بسيطًا. القهوة لم تتغير، والذي تغيّر هو عدد العيون. تعليق على محمصة لا يراها أحد لا يُكتب أصلًا، لأن الكتابة تحتاج جمهورًا، والجمهور يحتاج سببًا ليلتفت.

ثلاثة أشياء تختلط في رأسنا

هنا ينفع أن نفصل بين ثلاثة أشياء تختلط في رأس فهد ليلة الخميس. الأول هو الظهور، أي كم شخصًا صار ينظر إلى علامتك. والثاني هو النقد، أي ما يُقال عنها بعد ذلك. والثالث هو صحة النقد، أي هل ما قيل صحيح فعلًا.

الظهور يفسّر لماذا يظهر النقد، لكنه لا يخبرنا إن كان النقد صائبًا. قد يأتي مع الضوء ملاحظة دقيقة تكشف ما لم نكن نراه. وقد يأتي كلام بلا أساس، وقد يجتمع الاثنان في الصفحة نفسها.

ولهذا لا نقول هنا إن كثرة النقد علامة على أنك في الطريق الصحيح. ارتفاع النقد لا يعني تلقائيًا ذلك. أحيانًا الضوء يكشف مشكلة حقيقية، وأحيانًا لا يفعل أكثر من جذب مزيد من الأصوات.

فإذا كان الضوء يجلب النقد الصادق والنقد الفارغ معًا، فكيف نعرف أيهما نسمع؟

قبل أن نصل إلى الجواب، علينا أن نفهم لماذا تبدو صفحة التعليقات غالبًا أسوأ أو أصخب مما هي عليه في الواقع.

أصوات عالية وأصوات صامتة

كتب نيقولو مكيافيلي الأمير في بيت ريفي قرب فلورنسا، بعد أن خسر منصبه وابتعد عن المدينة التي خدمها. رأى السلطة من الداخل ثم من بعيد، وهذا يمنح النظر زاوية نادرة. سنستعمله هنا عدسة نرى بها سلوك الناس مع العلامات والأسماء، لا حجة نثبتها بها.

في الفصل السادس يلاحظ أن من يحاول إدخال نظام جديد يجد معارضة من الذين استفادوا من القديم. أما المؤيدون المحتملون فيكونون فاترين في الغالب، لأنهم لا يصدقون حتى يروا النتيجة. ولو مددنا الفكرة إلى عالم التسويق اليوم، لقلنا إن العلامة الجديدة التي تزاحم الأسماء الراسخة قد تجد من ينتقدها بصوت أعلى، بينما يشتري كثير من عملائها بصمت ويمضون دون أن يكتبوا شيئاً.

وهذا ليس قانونًا ثابتًا. بعض المنتقدين لا مصلحة لهم أبدًا، وبعضهم محق تماماً. وقد يتحول نجاحك أحياناً إلى نقطة مقارنة عند بعض الناس، لكن هذا تفسير محتمل لا يصلح لكل تعليق.

الفكرة الأضيق أنفع: جزء من الشاشة قد يكون أصخب من الواقع. وحين يقرأ فهد عند الواحدة ليلًا، قد يحسب الأصوات المرتفعة كأنها كل العملاء، وهي في الغالب جزء منهم.

الناس ترى بعينها قبل يدها

يقول مكيافيلي في الفصل الثامن عشر إن أغلب الناس ينظرون إلى ظاهرك، وإن قلة فقط تلمس حقيقتك. هذه ملاحظة قديمة، لكنها تصف شيئًا نعيشه كل يوم مع العلامات التجارية.

في عالم السمعة اليوم تظهر المفارقة بوضوح. كلما اتسع الجمهور الذي ينظر إلى علامتك، صار نصيب كل واحد منهم من معرفتك الفعلية أصغر. يتحول صاحب المشروع في عيون كثيرين إلى صورة، ثم إلى عنوان. ومن يقرأ العنوان لا يتذوق القهوة، ولا يعرف أنك أعدت تحميص دفعة كاملة لأنها لم ترضك.

وهنا يقع كثيرون في إغراء مألوف. يرد فهد على كل تعليق، ويشرح ويدافع، وأحيانًا يجرح. وكلما فعل ذلك زاد الكلام عنه، فتشتد العيون بدل أن تهدأ.

علامة تكبر، وجمهور يتعلم أن يراقب

هذا المشهد لا يخص المحمصات وحدها. في الأسواق التي تنمو بسرعة، ومنها السوق السعودي اليوم، تظهر مقاهٍ ومطاعم وعلامات أزياء ومشاريع محلية تنتقل من الهامش إلى الواجهة. ومع الجمهور النشيط على المنصات، تمر العلامة بمراحل متشابهة تقريبًا.

في المرحلة الأولى لا يلتفت إليها أحد. وفي الثانية يأتي الحماس: صور ومشاركات وطوابير أمام الباب. وفي الثالثة يبدأ التدقيق: مقارنة بين ما كانت عليه وما صارت إليه، ولقطات شاشة للشكاوى، وسؤال قديم يتكرر: هل ما زالت كما كانت؟

عبارة كانت أحسن قبل مثال جيد. أحيانًا تكون صحيحة، فالتوسع السريع قد يضعف الجودة فعلًا، ومن يتجاهل ذلك يخسر. وأحيانًا تكون حنينًا إلى زمن كان فيه المكان سرًّا صغيرًا لصاحبها. العبارة نفسها قد تحمل إشارة في موضع وضجيجًا في موضع آخر.

هنا يختلف التسويق الناضج عن التسويق المتوتر. المتوتر يرى التعليقات هجوماً ينبغي إطفاؤه. أما الناضج فيراها بحثًا في السوق بلا مقابل: ماذا يتوقع الجمهور؟ أين الفجوة بين وعد العلامة وتجربتها؟ وما الذي يتكرر من أكثر من عميل؟

الضوء يصنع إشارة وضجيجاً

نعود إلى السؤال الذي بدأنا به. الظهور يضاعف الإشارة والضجيج معًا. الإشارة هي ما يكشف شيئًا حقيقيًا يمكن إصلاحه أو فهمه، والضجيج هو ما يزيد الصوت دون أن يزيد المعرفة.

الخطأ ليس في تلقي النقد. الخطأ في أن نعامل كل نقد كأنه إشارة، أو كل نقد كأنه ضجيج. من يصدّق كل شيء يضيع، ومن لا يصدّق شيئًا يُفاجأ بما كان يمكن أن يتعلمه.

والاختبار الأفضل ليس: هل اختفى النقد بعد أن راجعت عملي؟ فقد يستمر النقد مهما كانت الوقائع. الاختبار الأدق: هل يصمد النقد أمام الدليل؟ هل يمكن التحقق من الادعاء؟ وهل يتعلق بالمنتج نفسه أم بالشخص؟ وهل يتكرر من مصادر مستقلة؟ وهل يكشف شيئًا يمكن إصلاحه؟

ولو مددنا فكرة مكيافيلي في الفصل التاسع عشر، وهو يفرّق بين أن تكون مكروهًا وأن تكون محتقرًا، فربما قلنا إن الاتساق بين الوعد والتجربة يحمي السمعة أكثر من كثرة الردود. فالناس قد تختلف مع علامة وتحترمها، لكنها لا تحترم علامة تتقلب مع كل تعليق.

الهجوم ضريبة وصولك وسمعتك أحيانًا، لا شهادة على أنك محق.

والنضج في السمعة ليس أن تتجاهل النقد. هو أن تملك القدرة على فرز الإشارة من الضجيج.

العودة إلى المحمصة

في صباح اليوم التالي جلس فهد على الطاولة نفسها وفتح التعليقات مرة أخرى. لكنه لم يقرأها كمن يُحاكَم، بل كمن يبحث عن معلومة. سأل كل تعليق الأسئلة الأربعة، واحدًا بعد آخر.

وجد بين الأربعمئة تعليق تعليقًا واحدًا يصمد. كتبت زبونة أن تغليف طلبها الأخير لم يحفظ رائحة الحبوب كما ينبغي. كان ادعاءً يمكن التحقق منه، يتعلق بالمنتج لا بالشخص، ويكشف شيئًا يمكن إصلاحه. أما الباقي، فبعضه كلام لا يمكن فحصه، وبعضه رأي لا يُبنى عليه شيء.

اتصل فهد بالزبونة واعتذر، وغيّر المورد في الأسبوع نفسه. ولم يرد على أحد من الغاضبين. ثم عاد إلى الجهاز وبدأ دفعة جديدة، وفي الغرفة رائحة لم يشمها أحد غيره.

الظهور لا يثبت أنك جيد، والهجوم لا يثبت أنك سيئ، وبينهما مهمة أصعب: أن تعرف بنفسك ما الذي في الضجيج يستحق الإصغاء.