في الثانية ظهرًا، وقف ناصر أمام ماكينة الدفع في محطة وقود على طريق القصيم. أخرج بطاقته دون أن ينظر إليها، كما يفعل كل يوم.
لكن هذه المرة توقف. كان قد خرج للتو من اجتماع طويل مع مستثمر، وما زالت جملة واحدة تدور في رأسه. أخذ البطاقة ونظر إليها بتمعّن لأول مرة منذ سنتين. كانت فيزا.
ثم سأل نفسه سؤالًا لم يخطر له من قبل: هل اخترتُ هذه البطاقة أصلًا؟ لا. البنك أعطاه إياها. ولو أعطاه ماستركارد لحملها بالطريقة نفسها، ولما لاحظ الفرق.
ناصر يملك علامة صغيرة اسمها "تمرة". بدأها قبل ثلاث سنوات بفكرة محددة جدًا: ألواح طاقة من التمر لمن يتسلقون ويمشون في الجبال. كان يعرف زبونه بالاسم تقريبًا. وكان المستثمر قد قال له قبل ساعة، وهو يبتسم: "فكرتك ممتازة، لكنك تلعب في ملعب صغير. لماذا لا تبيع للجميع؟"
والآن يقف أمام بطاقة يعرفها الجميع، ولا يحبها أحد.
الاعتقاد الذي يبدو منطقيًا
الحساب بسيط. إذا كان جمهورك عشرة آلاف شخص، فهذا رقم صغير. وإذا كان عشرة ملايين، فهذا رقم يغيّر الشركة. لذلك يبدو التوسيع قرارًا لا يحتاج إلى نقاش.
وهذا ما يحدث تقريبًا في كل علامة سعودية صاعدة. تنجح بفكرة حادة، ثم يبدأ من حولها حديث لطيف عن "الشريحة الأوسع". يقول أحدهم إن النساء يشترين أيضًا. ويقول آخر إن الموظفين في المكاتب يحتاجون الطاقة أكثر من المتسلقين. ويقول ثالث إن الهدايا سوق ضخم. كل جملة منها صحيحة وحدها. المشكلة أن الجمل الصحيحة حين تتراكم قد تصنع علامة بلا وجه.
وصل ناصر إلى هذه النقطة بعد ستة أشهر. غيّر الشعار ليصير "أنظف". وغيّر العبارة تحت الاسم من "طاقة الجبل" إلى "لكل لحظة". صارت العبوة تناسب الجميع، وصار الجميع ينظر إليها ويمر. ارتفعت المبيعات في الشهرين الأولين، ثم حدث شيء غريب.
الزبون الذي اختفى بهدوء
لم يشتكِ أحد. لا رسالة غاضبة ولا تقييم سيئ. هذا ما يجعل الأمر مخيفًا.
بدأ ناصر يلاحظ أن المتسلقين القدامى لم يعودوا يطلبون. وأن مجموعات المشي التي كانت تنشر صور العبوة على قمم الجبال لم تعد تنشر. والزبائن الجدد الذين جاؤوا من الإعلانات اشتروا مرة واحدة، ولم يعودوا.
لماذا؟ لأن المتسلق القديم كان يشعر أن العلامة تخصه. كانت تتحدث عن تعبه، وعن الساعة الرابعة فجرًا، وعن الطريق الصخري. أما العلامة الجديدة فتتحدث عن "لحظات جميلة". وهذه عبارة لا تخص أحدًا.
أما الزبون الجديد فلم يكن لديه سبب ليختار تمرة بدل أي لوح آخر. لم يسمع من العلامة جملة واحدة تقول له: هذا لك أنت. الناس لا يتعلقون بالعلامة لأنها تناسب الجميع. يتعلقون بها لأنها تشبههم. وحين تحاول أن تشبه الجميع، لا تشبه أحدًا.
لماذا تستطيع فيزا ما لا تستطيعه أنت
قد تقول: لكن فيزا وماستركارد أكبر علامتين على الأرض، وهما لا تتحدثان إلى فئة محددة. هل أخطآ؟
الجواب أنهما لم تخطئا، لكنهما تلعبان لعبة مختلفة تمامًا.
يُروى أن ديي هوك، الرجل الذي بنى شبكة فيزا في سبعينيات القرن الماضي، اختار الاسم لأنه قصير، ويُنطق بسهولة في أي لغة. كان هدفه أن تقبل البطاقة في كل بلد وكل متجر. ولم يكن هدفه أن يحبها الناس.
فيزا وماستركارد ليستا علامتين عاديتين. إنهما شبكتان، مثل الكهرباء. لا أحد يختار الكهرباء لأنه يحب شركتها. نحن نريد فقط أن تعمل حين نضغط الزر.
وانتبه إلى التفصيل الأهم. من يختار فيزا فعلًا؟ ليس أنت. البنك هو الذي يختار، ثم يضع الشعار على بطاقتك. زبون فيزا الحقيقي هو البنك، وللبنك أسباب محددة جدًا: القبول، والسرعة، والموثوقية. أما رسالتها إلى بقيتنا فيمكن أن تكون عامة، لأننا لسنا من يتخذ القرار.
فهل أنت شبكة؟ هل زبونك يدفع لك لأنه مضطر، أم لأنه يريد؟
إذا كنت تبيع شيئًا يختاره الناس بأنفسهم، فأنت لا تملك رفاهية الغموض.
الحيلة التي فعلتها ماستركارد
لكن القصة لا تنتهي هنا. لأن ماستركارد لم تقبل أن تبقى أنبوبًا صامتًا.
في عام ١٩٩٧ أطلقت حملتها المشهورة "لا تقدّر بثمن". تُعرض لحظات صغيرة: أب يأخذ ابنه إلى مباراة، أو عشاء مع من تحب. تُذكر الأسعار بالتفصيل، ثم تأتي اللحظة التي لا تُشترى. لم تقل الحملة إن بطاقتها أسرع أو أوسع قبولًا. قالت شيئًا عن الحياة.
وما فعلته بعد ذلك أغرب. في عام ٢٠١٩ حذفت اسمها من شعارها، وتركت الدائرتين الحمراء والصفراء وحدهما. أرادت أن يكفي الرمز.
انظر إلى ما حدث هنا. حتى أكبر علامة في المجال لم تحاول أن تخاطب "الجميع" بكلام عام. بحثت عن مشاعر وقيمة تقف عليها، وبقيت وفيّة لها عقودًا. لم تجد معنى في اتساع الجمهور. وجدته في وضوح الموقف.
وهنا يظهر ما لم يره ناصر. كان يظن أن المشكلة في حجم الجمهور، لكن المشكلة كانت في ما فقده من وضوح حين كبّر الدائرة. الجمهور يمكن أن يتسع. أما المعنى فإذا اتسع أكثر من اللازم فإنه يتبخر.
الغموض الذي يشبه الكِبَر
هناك فخ آخر يقع فيه المؤسسون في هذه المرحلة. حين تكبر الشركة، ينتقل الحديث من الاجتماعات التي يحضرها الزبون إلى الاجتماعات التي يحضرها المسؤولون. وهناك لا يريد أحد أن يخسر أحدًا.
يقول فريق المبيعات: لا تستبعدوا الشريحة الفلانية. ويقول فريق القانون: العبارة هذه قد تزعج أحدًا. ويقول فريق الشراكات: الرسالة حادة قليلًا لأجل البنوك. وبعد ثلاثة اجتماعات، تُصقل الرسالة حتى تصبح ناعمة بالقدر الذي لا يمكن أن يعترض عليه أحد.
وهذه هي اللحظة التي يموت فيها الشعار. لأن الرسالة التي لا يستطيع أحد الاعتراض عليها لا يستطيع أحد أن يحبها أيضًا.
الغموض يبدو من بعيد كأنه نضج. وكأن العلامة صارت أكبر من أن تحتاج إلى جملة محددة. لكن الأمر في الحقيقة معكوس. العلامات الكبيرة الحقيقية لا تتخلى عن موقفها. إنها تحميه أكثر.
تأمل المشهد السعودي اليوم. هناك عدد من العلامات الصاعدة التي تنمو بسرعة لم يكن يتخيلها أحد قبل عشر سنوات. بعضها سينجح في الانتقال من "علامة نحبها" إلى "علامة يعرفها الجميع". وبعضها سيصل إلى الجميع، ثم لن يجد أحدًا عنده.
الفرق بينهما لن يكون في الميزانية. سيكون في السؤال الذي سيطرحه المؤسس على نفسه قبل أن يوافق على "التوسيع".
كيف تكبر دون أن تذوب
بعد أسبوع من تلك الظهيرة، جلس ناصر مع فريقه وطرح عليهم سؤالًا واحدًا: من الشخص الذي لو اختفى من حياتنا لحزن حقًا؟
لم يكن الجواب "الجميع". كان الجواب شخصًا بعينه. المتسلق الذي يصحو في الرابعة فجرًا ويحمل لوحين في جيبه. من هنا خرجت ثلاث قواعد صغيرة، لا تصلح لتمرة وحدها بل لكل علامة في طريقها إلى الكِبَر.
القاعدة الأولى أن تفصل بين الجمهور والمعنى. يمكنك أن تبيع لمن تشاء، لكن لا تغيّر ما تقوله من أجل من تشاء. ناصر لم يمنع الموظفين من شراء ألواحه، بل تركهم يدخلون من الباب نفسه: باب الجبل. من يريد أن يشعر بقليل من روح المتسلقين في اجتماع الصباح، فهو مرحَّب به. لكن الحكاية تبقى حكاية الجبل.
القاعدة الثانية أن تنمو بالطبقات لا بالتمديد. حين تريد جمهورًا جديدًا، أنشئ له منتجًا أو خطًا واضحًا، بصوته الخاص، تحت المظلة نفسها. لا تمدد الرسالة الأولى حتى تغطيه. التمديد يرقّق الرسالة كما يرقّق العجين. والطبقات تجعل كل جمهور يجد من يتحدث إليه بلغته.
القاعدة الثالثة أن تحمي الجملة الأولى. في كل علامة جملة هي سبب وجودها. اكتبها على ورقة. وفي كل مرة يطلب أحدهم تعديل الرسالة، اسأل: هل هذا التعديل يخدم الجملة، أم يخفف منها؟ كثيرًا ما تكتشف أن "التطوير" كان تنازلًا مهذبًا.
وهناك اختبار بسيط يمكنك أن تجريه اليوم. أعطِ عشرة أشخاص من خارج شركتك اسم علامتك، واسألهم: لمن هذه العلامة؟ إذا أجابوا بعشر إجابات مختلفة، فقد بدأت تذوب. وإذا أجاب ثمانية منهم بالجواب نفسه تقريبًا، فأنت تملك شيئًا نادرًا، فاحمه.
العودة إلى محطة الوقود
بعد ستة أشهر من ذلك اليوم، عاد ناصر إلى المحطة نفسها على طريق القصيم. كان يقف أمام الماكينة نفسها، لكنه كان قد غيّر شيئًا في علامته.
أعاد العبارة القديمة، "طاقة الجبل". وأبقى المنتجات الجديدة لكن في خط منفصل بصوت أهدأ. وبدأ المتسلقون القدامى يعودون، وبدأوا يجلبون معهم أصدقاءهم. نمت تمرة أبطأ مما أراد المستثمر في البداية، لكنها صارت علامة يمكن أن تُوصف في جملة واحدة.
وفي تلك الظهيرة، مدّ بطاقته إلى الماكينة دون أن يفكر. ابتسم قليلًا وهو يتذكر السؤال الذي سأله نفسه في المرة الماضية.
ثم أدرك شيئًا لم يره حينها. أن فيزا لا تحتاج إلى أن يحبها أحد، لأنها اختارت لعبة أخرى. أما هو فاختار اللعبة التي يريد الناس فيها أن يختاروا. والذين يريدون أن يُختاروا لا يملكون رفاهية أن يشبهوا الجميع.
حين تحاول علامتك أن تقول شيئًا للجميع، فهي تتخلى عن الوحيدين الذين كانوا سيصغون.
وهكذا يمكن أن نقرأ فكرة هذا المقال كله من جديد. الذكاء أن تعرف كيف توصل علامتك إلى ملايين الناس. والدهاء أن تعرف لمن كانت في البداية، ولماذا لا يصح أن تنساهم.
التعليقات