في مكتب صغير بحي العليا، كان فهد يكتب منشوره الرابع في هذا الأسبوع. لم يكتبه في الحقيقة، بل طلب من أداة ذكاء اصطناعي أن تكتبه له. جاءت الكلمات جميلة ولامعة: إنه "يبني شيئًا سيغيّر السوق"، وإنه "في رحلة لا تشبه غيرها"، وإن "القادم أجمل". حصل المنشور على مئتي إعجاب قبل أن يبرد فنجان قهوته، فشعر فهد بشيء لذيذ يشبه النجاح.

على بُعد طاولتين، كان زميله سعد يكتب أيضاً. لكنه لم يكن يكتب منشوراً، بل سطراً في ملف، يجرّبه ويمسحه ثم يعيده من جديد. لم يعلن سعد عن رحلة، ولم يقل إن القادم أجمل. كان فقط يعمل بهدوء، كمن لا يعرف أن هناك جمهورًا يمكن أن يصفّق.

مرّت الشهور. وذات اجتماع، سأل المدير عن المشروع الذي تحدّث عنه فهد طويلاً. لم يكن هناك مشروع، بل منشورات كثيرة، وصور، وعبارات محفوظة عن الطموح. أما سعد، فقد أطلق قبل أيام أداة صغيرة صار الفريق يستخدمها كل صباح، دون أن يخبر أحدًا مسبقًا أنه سيطلقها.

قد تظن أن هذه قصة عن رجلٍ يحب الكلام وآخر يحب العمل. لكنها ليست كذلك تماماً. فالكلام كان موجوداً دائماً، والمتحدثون كُثُر في كل زمان. الجديد أن الكلام نفسه تغيّر ثمنه.

قبل سنوات قليلة، كان المنشور المؤثّر يحتاج إلى شخص يجيد الكتابة، وكانت السيرة المقنعة تحتاج إلى تجربة حقيقية ترويها. أما اليوم، فتستطيع الآلة أن تكتب لك خطابًا يهزّ الجمهور، ورسالة تقنع مستثمرًا، ومنشوراً يجعلك تبدو خبيرًا في مجال لم تدخله يومًا. صارت الكلمات الجميلة تُسكب من الصنبور، متاحةً للجميع بلا تعب.

وحين يصبح شيء متاحًا للجميع بلا ثمن، يفقد قيمته. هذه ليست قسوة، إنها طبيعة الأشياء. حتى صار بعضنا ينشر عن مشروع لم يبدأه بعد، ثم يبحث عن أداة أخرى تذكّره بما وعد الناس أن يفعله.

اسأل أي مسؤول توظيف اليوم. صار يقرأ خمسين رسالة تعريف، كلها مصقولة، كلها تتحدث عن "الشغف" و"الأثر"، وكلها متشابهة حدّ الملل. الرسالة الجميلة التي كانت تميّز صاحبها لم تعد تميّز أحدًا، فصار المسؤول يتجاوز الكلام كله ويسأل سؤالًا واحدًا: ماذا صنعتَ فعلاً؟

لنفهم ما يحدث، دعنا نبتعد قليلاً عن الشاشات. تخيّل سوقًا قديماً، قبل أن توجد العقود والمحاكم والأوراق الرسمية. كيف كان التاجر يعرف من يثق به؟ لم يكن يملك سوى شيء واحد: سِجِلّ الأفعال.

التاجر الذي وعد وأوفى مرة، ثم مرتين، ثم عشرًا، صار اسمه يعني شيئًا. والتاجر الذي تكلم كثيراً وأخلف، انتشر خبره فأُغلقت الأبواب في وجهه. في ذلك السوق لم تكن الكلمات هي التي تصنع الثقة، بل الفعل المتكرر. وما كان الاسم إلا اختصارًا لتاريخ طويل من الأفعال.

الكلمة كانت رخيصة حتى في ذلك الزمان، أما الفعل فكان غاليًا. ولهذا كان الفعل وحده هو ما يُصدَّق.

خلف هذا كله قاعدة بسيطة: أي إشارة لا تعني شيئًا إلا إذا كان إنتاجها صعباً. تخيّل أن أهل قرية استطاعوا فجأة أن يرسموا على الورق قطعة ذهب تشبه الذهب تماماً، دقيقة ولامعة. هل سيقبل أحد رسماً مقابل بضاعته؟ لن يقبل، لأن ما صار الجميع يملكونه بسهولة لا يصلح ثمناً لشيء. يبقى الذهب الحقيقي غالياً، لأنه ثقيل، ولأن عليك أن تملكه فعلًا لتدفعه. الكلمات اليوم صارت مثل الرسم، والأفعال هي الذهب.

إذا استطاع الجميع أن يقولوا كل شيء بإتقان، فما الذي يجعلنا نصدّق أحداً؟

دعنا نترك السؤال معلّقًا، ونعود إلى المكتب. حين انكشف أن فهد بلا مشروع، لم يغضب المدير كثيرًا، لكنه فعل ما هو أخطر من الغضب: توقف عن تصديقه. صار كلما تحدّث فهد عن فكرة عظيمة، ينتظر في صمت ليرى ماذا سيحدث فعلًا.

وهنا يظهر الجواب ببطء. حين تصبح الأقوال بلا ثمن، تتحوّل أعين الناس تلقائيًا إلى ما لا يمكن تزويره. هل أطلقتَ ما وعدت به؟ هل ظهرتَ حين كان الظهور صعبًا؟ هل تحقّق هذا العام ما قلتَه في العام الماضي؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها آلة. الفعل هو الكلمة الوحيدة التي لا تستطيع الآلة أن تقولها نيابةً عنك.

حين يصبح القول رخيصًا، يصبح الفعل هو العملة الوحيدة التي ما زالت تُقبَل.

والمفارقة أن فهد لم يكن كاذبًا. كان يصدّق كلماته وهو يكتبها. لكنه خلط بين لذّتين تتشابهان في الظاهر: لذّة أن تُعلن، ولذّة أن تُنجز. الإعلان يمنحك التصفيق فورًا، بينما الإنجاز يتأخر ويتعب ولا يراه أحد في منتصف الطريق.

ولنكن منصفين، فينا جميعًا شيء من فهد. كلنا شعرنا مرة بتلك اللذّة حين أعلنّا عن خطة، فبدا لنا أننا قطعنا نصف الطريق، ونحن لم نخطُ خطوة. الآلة لم تخترع هذا الميل فينا، لكنها ضخّمته. جعلت الإعلان أسهل وأسرع وأجمل، حتى صار بإمكانك أن تبدو منجزًا طوال اليوم دون أن تلمس العمل مرة.

والفرق بين فهد وسعد لم يكن في الذكاء. لعلّ فهد كان يعرف عن التسويق أكثر، ويحفظ من العبارات الملهمة أكثر. لكن سعد رأى شيئًا لم يره فهد: أن قيمة الكلام تنهار، وأن ما يندر اليوم هو الفعل. الذكاء أن تعرف أين الجمهور الآن، والدهاء أن ترى إلى أين ينتقل التصديق غدًا.

بعد عام، لم تعد منشورات فهد تلفت أحدًا. لم يكن السبب أنها ساءت، بل أن الجميع صاروا يكتبون مثلها. امتلأت الشاشات بالرحلات الملهمة والقادم الأجمل، حتى ذابت هذه العبارات وفقدت أي معنى. غرق فهد في بحرٍ من أشباهه.

أما سعد، فقد أطلق شيئًا ثانيًا ثم ثالثًا. لم يتحدث كثيرًا، لكن الناس بدؤوا يقصدونه حين يريدون أن يُنجز شيء فعلًا. لم يملك جمهورًا كبيرًا، لكنه ملك ما هو أثمن: اسمًا يعني شيئًا. ومع كل عمل صامت، كان هذا الاسم يكبر.

عُد الآن إلى أول القصة. فهد الذي شعر بلذّة النجاح وهو ينشر لم يكن ناجحًا، بل كان يشتري إحساسًا مؤقتًا بثمن بخس. وسعد الذي بدا كأنه لا يفعل شيئًا يستحق الإعلان، كان يبني الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يبنيه عنه.

يستطيع الجميع أن يقولوا. والقلة فقط تفعل. وفي هذه الفجوة بين القول والفعل، تُبنى السمعة كلها.