في رمضان الماضي، كان عصام معصار يتمشّى مع عائلته في رويال مول. صعد إلى الدور الثاني، ومرّ أمام محل صغير يبيع الفشار. رفع رأسه، فوجد فوق الباب شعارًا يعرفه جيدًا. كلمة واحدة مكتوبة بخط اليد: "خفيف".

توقّف لحظة. هذا الشعار رسمه هو، بيده، سنة ١٩٩٧. قبل أن يدرس التصميم، وقبل أن يتخصص في العلامات التجارية، وقبل أن يصير عصام معصار الذي نعرفه اليوم. مرّت ثلاثون سنة على تلك اللحظة، وتغيّر كل شيء في السوق حوله، لكن الشعار بقي كما هو. نفس الخط، ونفس حركة اليد. يقول إنه لو أعاد رسمه الآن، لخرج بنفس المستوى تمامًا.

حكى عصام هذا المشهد في حلقة من بودكاست نهج، وهو من أشهر من صنعوا العلامات التجارية في السعودية. قبل نحو خمسة عشر عامًا، لاحظ شيئًا غريبًا في أعماله القديمة: الشعارات التي رسمها في بداياته لم تتغيّر، والناس ما زالوا يستخدمونها، ولم يطلب منه أحد أن "يجدّدها". فقال لنفسه إن عنده موهبة في هذا الباب، فقرّر أن يدخله بجدّية.

لكن الشعار لم يكن يومًا مجرد شعار. هو أول شيء يعرفه الناس عن العلامة، والوجه الذي تُطلّ به السمعة على العالم. حين يعيش شعار ثلاثين سنة دون أن يتغيّر، فهذا يعني أن اسمًا ما نال شيئًا، ثم عرف كيف يحتفظ به. وهنا يبدأ السؤال الذي حمله عصام معه سنوات.

ما الذي يجعل شعارًا يعيش ثلاثين سنة، بينما يموت غيره بعد ستة أشهر؟

جواب عصام بسيط في ظاهره: البساطة. الشعار الذي يعيش هو الشعار البسيط، ذو التكوين المريح، الذي تصل فيه إلى نقطة لا تستطيع أن تغيّرها. تقدر أن تطوّره قليلًا، وأن تلمس ألوانه، لكن جوهره يبقى ثابتًا. لكن خلف هذا الجواب البسيط مفارقة قد لا تخطر على بالك.

كلما كان الشعار أبسط، كان أصعب. ليس أسهل. أصعب. يشرح عصام الأمر بطريقة عملية: الشعار الضعيف يحتاج ألوانًا وزخارف كثيرة ليبدو جميلًا، أما الشعار القوي فتقدر أن تعرضه بالأبيض والأسود، بلا ألوان وبلا حيَل. فإذا اقتنع به العميل وهو أبيض وأسود، فقد نجحت، ويصير كل ما بعد ذلك سهلًا. إنه اختبار قاسٍ، لأنه يترك الفكرة عارية أمامك، بلا شيء يخفي ضعفها.

والحقيقة أن هذا الكلام أكبر من الشعارات بكثير. نحن نعيش في زمن يقول لنا إن التعقيد ذكاء، وإن كثرة التفاصيل دليل جهد، وإن من يظهر أكثر يكسب أكثر. لكن الشعار الذي عاش ثلاثين سنة فعل العكس تمامًا. لم يظهر أكثر، بل بُني أعمق. والبساطة التي تعيش ليست غيابًا للتفاصيل، بل نتيجة عمقٍ طويل لا تراه من النظرة الأولى.

من أين يأتي هذا العمق إذن؟ لا يأتي من فراغ. عصام يصل إلى شعاره البسيط بعد قراءة طويلة، ويقول إنه يأتي إلى المكتب أحيانًا بعد صلاة الفجر ويخرج في الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلًا. تسأله ماذا كنت تصمّم طوال هذا الوقت، فيجيب إنه لم يصمّم شيئًا، كان يقرأ.

يقرأ عن عالم العميل، مركزًا طبيًا مرة، ومحل أقمشة مرة، ومصنع مياه مرة. لا يستطيع أن يرسم لشيء لا يفهمه، وحتى الاسم لا يخرج من رأس فارغ. مرة أراد أن يبتكر اسمًا لعلامة، فجلس يقرأ كتابًا لخطّاط ياباني يكتب بالخط العربي، لا ليقلّده، بل ليفهم كيف يفكّر. هذا هو السرّ الذي لا يظهر في الشعار: خلف الشكل الذي يبدو بسيطًا في ثانية، ساعاتٌ من القراءة لا يراها أحد.

وهذا العمق غيّر حتى طريقته مع العملاء. في بداياته كان يقدّم للعميل ثلاثة خيارات أو أربعة ليختار منها، أما اليوم فيقدّم خيارًا واحدًا ويقول له: هذا هو، خذه. وأحيانًا يختار العميل خيارًا يراه عصام أضعف، فيحاول أن يقنعه، بل يستعدّ أن ينزل له في السعر مقابل أن يترك الخيار الأقوى. ليس هذا عنادًا، بل لأنه يخاف على سمعته أكثر مما يخاف على الصفقة.

يشبه الأمر الثقة التي تبنيها مع خيّاط ماهر. بعد سنوات، يصير هو من يقول لك ما يناسبك، وأنت تصدّقه بلا نقاش، لأنه رأى ما لم ترَه وجرّب ما لم تجرّبه. وهذه الثقة لا تُشترى في يوم، بل تُبنى بآلاف الساعات التي يقضيها الإنسان في مجاله حتى يعرف ما يمشي وما لا يمشي.

ثم يأتي السؤال الذي يشغل كل من يدخل هذا المجال اليوم. الجميع يقول للمبتدئ إن الحلّ في الذكاء الاصطناعي، وإن كانفا وحدها تكفي، وصار بإمكان أي شخص أن يُخرج شعارًا في ثوانٍ. فماذا يبقى للمصمم بعد أن صارت الأداة تصنع كل شيء؟

عصام لا يخاف من الأداة. يذكّرنا بجيل سبقه كان يرسم الشعارات العالمية بالمسطرة والفرجار والمثلث، وهي أدوات قديمة، لكنها أخرجت شعارات ما زالت تعيش. الأداة لم تكن يومًا هي الفنان، كانت في يده فقط. والذكاء الاصطناعي عنده مثلها تمامًا، أداة جديدة لا أكثر، سيبرع بها قوم، ويعجز عنها آخرون، والفرق بينهم ليس في الأداة، بل فيما يغذّونها به وفي الرؤية التي يحملونها قبل أن يلمسوا الشاشة. الأداة ترسم، لكنها لا ترى. والخطر الوحيد الذي يراه عصام أن يدخل جيل جديد فيتعلّم الأداة قبل أن يتعلّم النظر.

يحب عصام مقولة رآها منقوشة على أحد الشعارات في جدة: "ومن ذاق عرف". يقول إنك حين تشتغل، وترى أعمال غيرك، وتتذوّق الفن، تبدأ شيئًا فشيئًا تصنع ذائقتك الخاصة، فتعرف ما هو الفن وما ليس بفن. لا أحد يعطيك هذه العين، أنت تبنيها بنفسك مع الوقت، ولهذا يقيم في بيته مسابقة رسم أسبوعية بسيطة لأطفاله، لا ليصنع منهم رسّامين، بل ليكتشف مبكرًا من فيهم يرى بطريقة مختلفة.

وهذه العين هي التي تجعله يرى ما لا يراه غيره. حين تحدّثه عن سيارة، لا يرى شعارًا واحدًا، بل يرى بنية كاملة. يحكي لك كيف وضعت تويوتا في اليابان شعار "التاج" أمام سيارة الكراون، وشعار تويوتا خلفها، وهو تفصيل صغير لا ينتبه له أحد لكنه يكشف فلسفة كاملة: علامة داخل علامة، وتجربة مستقلة لكل عميل. من ينظر بسطحية يرى سيارة، ومن ينظر بعمق يرى قرارًا. وهذا هو الفرق كله.

الاسم لا يبقى لأنه ظهر كثيرًا، بل لأنه بُني عميقًا.

في آخر الحلقة، قال عصام شيئًا يشبه الوصية. الإنسان بعد أن يرحل يبقى له أثر، وهو نفسه ما زال يذكر شعارات صُنعت سنة ١٩٨٨، ويعرف من رسمها بالاسم، ويترحّم عليهم رغم أن كثيرين نسوهم. الشعار الجيد يعيش أطول من صاحبه، ويحمل اسمه بهدوء إلى أناس لم يولدوا بعد. وهذا هو الفرق الحقيقي في النهاية، لا بين من يملك الأداة ومن لا يملكها، فالكل صار يملكها، بل بين من يصنع شيئًا يُنسى بعد ستة أشهر، ومن يصنع شيئًا يُعلَّق ثلاثين سنة فوق باب محل صغير، فيمرّ صاحبه أمامه ذات رمضان، فيتوقّف، ويبتسم.

الشعار ما زال معلّقًا. ومن رسمه، ما زال يقرأ.