في التاسعة صباح الأحد، كانت الشاشة في غرفة الاجتماع مليئة بالأرقام الحمراء. وقف المدير المالي وقال إن الإيرادات نزلت ثمانية عشر بالمئة هذا الربع. ثم أضاف بهدوء أن الشركة تحتاج إلى تخفيض ميزانية التسويق بمقدار الثلث. لنسمِّ مديرة التسويق ريم. كانت تعمل في شركة أغذية متوسطة الحجم في الرياض، وجلست تكتب في دفترها السطر الأول: "إيقاف الحملات".
لم يعترض أحد. كل من في الغرفة كان يعرف أن هذا هو الجواب الطبيعي. حين يضيق الحال، يُقطع أول ما يُقطع الإعلان.
الجواب الذي يتفق عليه الجميع
هناك قصة قديمة يحبها أهل التسويق. في الثلاثينيات، حين ضرب الكساد الكبير الاقتصاد الأمريكي، خفّضت شركات كثيرة إعلاناتها لتنجو. وتقول الرواية المتداولة إن شركة كيلوغ فعلت العكس، فواصلت الظهور أمام الناس بينما اختفى منافسها الأكبر، ثم خرجت من تلك السنوات أقوى مما دخلتها.
ليست هذه القصة دعوة إلى زيادة الإنفاق. فلا أحد يعرف تفاصيل كل ميزانية، ولا يملك كل مدير مالي أن يتجاهل الأرقام الحمراء. لكنها تكشف شيئاً في سلوكنا. نحن نظن أن الحذر يعني التوقف، وأن الصمت يعني الأمان.
والحقيقة أن التوقف دون نظر ليس حذراً. هو نوم طويل ننتظر فيه أن تمر العاصفة. وحين نستيقظ، نجد أن غيرنا لم ينتظر. لكن ماذا لو كان ركود السوق ليس عدواً يجب أن نختبئ منه، بل فرصة نادرة لا تأتي في الأيام الجيدة؟
ما وجدته ريم في بيتها
عادت ريم إلى مكتبها وهي تحمل سؤالًا بدل القرار. طلبت من مديرها ستة أسابيع قبل تنفيذ التخفيض. وافق، وهو لا يعرف تماماً ماذا ستفعل بها.
بدأت بأبسط سؤال لم يسأله أحد منذ سنوات: كل ريال ننفقه، أي عميل جاء بسببه؟ قضت أياماً تفتح الملفات وتقارن الأرقام. وجدت أن ما يقارب ثلث الإنفاق لا يمكن ربطه بأي نتيجة. كانت الحملات تعمل، لكن لا أحد يستطيع أن يقول لماذا، ولا لمن.
ثم تتبعت رحلة العميل الجديد. اتصل به فريق المبيعات في اليوم الأول، ثم لم يسمع من أحد قبل أحد عشر يومًا، حين وصلت أول شحنة. ثلاثة فرق تعمل في الشركة، ولكل فريق أرقامه ولغته، ولا أحد يرى الصورة كاملة.
لماذا لم يلاحظ أحد هذا من قبل؟ لأن السوق كان صاعداً. وحين يرتفع الماء، ترتفع كل السفن، حتى المثقوبة منها. الركود لا يصنع العيوب، لكنه يسحب الماء فتظهر.
العملاء الذين لم يكلمهم أحد
كان في دفتر ريم سطر ثانٍ لم تتوقع أن تكتبه: اسأل الناس.
لم ترسل استبيانًا. أخذت قائمة بثلاثين عميلًا واتصلت بهم واحدًا واحدًا، بصوتها هي. كان بعضهم يستغرب. صاحب مطعم صغير ظل صامتًا لحظة، ثم قال لها شيئًا بقي في رأسها: "أنتم تتصلون بي حين تريدون أن تبيعوا. لم يتصل بي أحد من قبل ليسأل كيف تسير أموري."
كان قلقه كبيرًا. أسعار المواد ترتفع، والزبائن يقلّون، وهو لا يعرف إن كان سيحتمل الربع القادم. ولم يكن يريد خصمًا. كان يريد أن يشعر أن أحدًا في الجهة الأخرى يفهمه.
في الأسواق الجيدة، يستطيع الإعلان أن يشتري الانتباه. في الأسواق الصعبة، لا يشتري إلا القرب. الناس يتذكرون من وقف بجانبهم حين كانوا خائفين، ويتذكرون أيضًا من اختفى. وهذه الذاكرة لا تُمحى حين يعود السوق إلى الارتفاع.
من هنا بدأت ريم تفهم أن بناء العلامة ليس صورة تُرسم من الخارج. هو ما يشعر به الناس حين يتعاملون معك. والإعلان لا يستطيع أن يصلح ما يخالفه الواقع.
من دخل السوق بصمت
بقي في دفترها سطر ثالث، وكان الأصعب: من الذي يدخل الآن؟
بحثت عن الأسماء الجديدة في قطاعها. لم تجد شركات كبيرة ولا ميزانيات ضخمة. وجدت منافسًا صغيرًا بدأ قبل عام، يبيع عبوات صغيرة بالاشتراك الأسبوعي، ويضمن التوصيل خلال أربع وعشرين ساعة. ولديه مجموعة على واتساب يتبادل فيها أصحاب المطاعم الوصفات والأسعار فيما بينهم.
لم يكن هذا إعلانًا بارعًا. كان طريقة مختلفة في العمل. وكانت هي بالضبط الأشياء التي كانت ريم قد اكتشفتها قبل أسابيع في بيتها: سرعة، وقرب، ومعرفة بالعميل.
والتاريخ يعيد هذا المشهد. أُسست إير بي إن بي في صيف 2008، حين كان الاقتصاد العالمي يتعثر. وانطلقت أوبر في 2009، والعالم لم يتعافَ بعد من الأزمة. لم يكن ذلك صدفة تماماً. حين يضيق الحال، يصبح الناس أكثر استعداداً لتجربة طريقة جديدة، وتصبح الطرق القديمة أضعف مما بدت في أيام الرخاء.
لم تسأل ريم: كيف ننسخ هذا المنافس؟ سألت سؤالاً أصح: ماذا رأى هو في العميل ولم نكن نراه نحن؟
ما يبقى بعد أن يمر الشتاء
انتهت الأسابيع الستة. ولم تخفّض ريم الميزانية بمقدار الثلث، بل أعادت توزيعها.
أوقفت الجزء الذي لا يمكن ربطه بنتيجة. أعادت بناء رحلة العميل الأول حتى أصبح يسمع من الشركة خلال ثلاثة أيام. وبدأت لقاءً شهرياً قصيراً مع مجموعة من العملاء، ليس للبيع، بل للاستماع. وجلس فريق التسويق مع فريق المبيعات وفريق التوصيل أمام الأرقام نفسها لأول مرة.
بعد ستة أشهر كان السوق لا يزال بطيئاً. لكن شركتها كانت تعرف أين تضع كل ريال، وكان عملاؤها يعرفون اسمها بطريقة مختلفة. لم تعد مجرد مورّد في قائمة الأسعار.
ما فعلته ريم كان بسيطاً. لكنه يكشف قاعدة تتكرر في كل ركود:
حين يهدأ السوق، لا يُكشف من يملك أكبر ميزانية. يُكشف من بنى بيته من الداخل.
العودة إلى غرفة الاجتماع
بعد سنة، جلست ريم في غرفة الاجتماع نفسها، في صباح أحد آخر. كان الاقتصاد لا يزال يتحرك ببطء، وكان على الشاشة رقم أحمر جديد في قطاع مجاور.
فتحت دفترها ونظرت إلى السطر الأول القديم: إيقاف الحملات. لم تمحه. لكنها كتبت تحته سطراً آخر، بحروف أصغر.
ماذا نرى الآن؟
الذكاء أن تعرف أن السوق يهبط. والدهاء أن ترى ما كشفه الهبوط.
التعليقات