في خريف عام ١٩٨٨، توقف العالم كله عند رجل يجلس في شقة صغيرة وسط القاهرة. لجنة نوبل في السويد اختارته لأكبر جائزة أدبية على وجه الأرض. الصحف تريد صورته، والوزراء يريدون مصافحته، ومدينة ستوكهولم جهّزت له استقبالًا يليق بأسطورة.
لكن نجيب محفوظ لم يذهب. أرسل ابنتيه لتسلّم الجائزة نيابة عنه، وبقي هو في القاهرة، في المقهى نفسه، أمام فنجان القهوة نفسه، بين الأصدقاء أنفسهم.
تأمّل المشهد قليلًا. العالم كله يريد أن يراه، وهو يفضّل كرسيه المعتاد في المقهى. نحن اليوم نعيد فتح هواتفنا عشرين مرة لنرى من ذكر أسماءنا. وهو لم يذهب ليتسلّم أكبر «ذكرٍ» في حياته. فلماذا يهرب رجل من أضخم لحظة في سمعته؟ للإجابة، علينا أن ندخل العالم الذي قضى محفوظ عمره كله يكتب عنه.
الحارة تعرف كل شيء
قضى محفوظ حياته يكتب عن الحارة. الحارة المصرية القديمة، بأزقتها وبيوتها المتلاصقة، حيث يعرف الجميع كل شيء عن الجميع. في الحارة لا يوجد شيء اسمه حياة خاصة. ما تفعله في الليل يُروى في الصباح، وما تقوله لجارك يصل إلى آخر الزقاق قبل الغداء.
في هذا العالم، السمعة ليست تفصيلًا صغيرًا. إنها كل شيء. الرجل يُعرف باسمه قبل أن يُعرف بوجهه، والعائلة تُقاس بما يُقال عنها لا بما تملكه. من فقد سمعته في الحارة فقد مكانه فيها، حتى لو بقي يسكنها إلى آخر عمره.
وللحارة لسان. اللسان الذي ينقل، ويكبّر، ويصغّر، ويحكم. أنت لا تصدر هذا الحكم، ولا تستطيع إيقافه. الناس ينظرون إليك، ثم يقررون من أنت، ثم يمشون به في الأزقة كأنه حقيقة. السمعة، في عالم محفوظ، ليست ما تقوله عن نفسك. إنها الحكم الذي أصدره عنك أناس لم يستأذنوك.
الرجل ذو الوجهين
في ثلاثيته الشهيرة، صنع محفوظ واحدة من أعظم الشخصيات في الأدب العربي: السيد أحمد عبد الجواد. في النهار كان رجلًا مهيبًا. صارمًا، متدينًا، لا يبتسم أمام أولاده، تهابه زوجته وترتجف من نظرته. الحارة كلها تحترمه وتراه مثالًا للوقار.
لكن حين يأتي الليل، يتحوّل الرجل إلى إنسان آخر تمامًا. يسهر، ويضحك، ويطرب للغناء، ويجلس بين الأصدقاء حتى الفجر، خفيف الظل، محبًّا للحياة. الرجل الذي يخافه بيته في النهار، هو أكثر الناس مرحًا في الليل. وجهان لرجل واحد، كل واحد منهما حقيقي، لكن الحارة لم تر إلا واحدًا.
وحين اكتشف أبناؤه صدفةً أن لأبيهم المهيب وجهًا آخر لا يعرفونه، اهتزّت صورته في عيونهم. لم يتغيّر الأب. تغيّر ما يعرفونه عنه. وهذا وحده يكفي. لأن السمعة لا تعيش في الرجل، بل في رؤوس الناظرين إليه.
هنا تظهر الفكرة التي شغلت محفوظ طوال حياته. أنت شيء، واسمك شيء آخر. أنت تعرف نفسك من الداخل، والناس يعرفون صورتك من الخارج. وبين الاثنين مسافة، أحيانًا تكون رفيعة كخيط، وأحيانًا تكون واسعة كوادٍ.
إذا كانت السمعة هي ما يقوله الناس عنك، فمن يملكها حقًا: أنت، أم هم؟
لماذا يخيفنا هذا السؤال
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يقلق أكثر مما نظن. لأننا نمضي أعمارنا نبني هذا الشيء بالذات. نختار كلماتنا بعناية، ونحرص على الظهور بالصورة المناسبة، ونتعب كي «يقال» عنا ما نتمنى أن يُقال. ثم يأتي محفوظ ليهمس لنا بأن ما نبنيه ليس ملكنا أصلًا.
نحن أشبه بمن يبني بيتًا جميلًا على أرض يملكها غيره. نتعب في البناء، ونفخر به، وننسى أن صاحب الأرض يستطيع في أي لحظة أن يقرر مصيره. سمعتك بيت جميل. لكنه قائم على أرض الناس.
الاسم الذي يكبر بعد صاحبه
محفوظ لم يترك هذا السؤال معلّقًا. عاد إليه في عمل آخر، «الحرافيش»، حيث تتبّع عائلة واحدة عبر أجيال طويلة. في البداية كان هناك رجل اسمه عاشور الناجي، قوي وعادل، أحبّه الفقراء، فصار اسمه في الحارة رمزًا للعدل نفسه.
ثم مات عاشور. لكن اسمه لم يمت. صار الاسم أكبر من الرجل. وُلد الأحفاد وهم يحملون اسماً يلمع، وكان كل واحد منهم يُقاس بجدّه: هل هو مثل عاشور، أم أقل منه؟ بعضهم حاول أن يرث العدل، وبعضهم ورث الاسم وحده واستعمله غطاءً لظلمه.
هنا يرينا محفوظ شيئًا غريبًا ومخيفًا معًا. السمعة لا تموت مع صاحبها. تنفصل عنه، وتعيش وحدها، وتكبر أو تتشوّه في أفواه الآخرين. الرجل يصنع فعلًا واحدًا في لحظة عابرة، ثم يتحوّل هذا الفعل إلى حكاية تُروى بعده بمئة عام. وقد تصبح الحكاية أجمل منه أو أقسى، لكنها في الحالتين لم تعد تخصّه.
والاسم الكبير هبة وسجن في آن واحد. يحميك، لأنه يمشي أمامك ويفتح لك الأبواب. ويسجنك، لأنك تصبح مطالباً كل يوم بأن تكون على قدره. كثيرون انكسروا لا تحت وزن أخطائهم، بل تحت وزن الاسم الذي ورثوه أو صنعوه.
حين يغادرك اسمك تماماً
وعرف محفوظ هذا بجسده، لا بقلمه فقط. في عام ١٩٥٩ نشر رواية أثارت غضباً واسعاً. مرّت السنوات، وكبر الرجل، ونسي كثيرون تلك الرواية. لكن في عام ١٩٩٤، وهو في الثانية والثمانين، خرج من بيته فطعنه شاب في رقبته. شاب لم يقرأ الرواية أصلًا، لكنه سمع عن «اسم» محفوظ ما يكفي ليقرّر أنه يستحق القتل.
انظر إلى المفارقة. رجل هادئ، يشرب قهوته في المقهى نفسه منذ عقود، كاد أن يُقتل بسبب اسمٍ صنعه قبل خمسة وثلاثين عامًا، على يد شخص لا يعرفه ولم يجالسه يوماً. الاسم كان قد غادره تماماً. صار ملكاً للناس يفعلون به ما يشاؤون، يمجّدونه أو يطعنونه، دون أن يعودوا إليه.
حارتنا نحن
قد تظنّ أن هذا كله حديث عن زمن قديم، عن حارة اختفت وانتهت. لكن انظر حولك. كلنا اليوم نعيش في حارة، لكنها بحجم الأرض كلها. الشاشة صارت الزقاق. ما تكتبه وما تنشره وما يُقال عنك يصل إلى آخر العالم قبل الغداء، ويبقى محفوظًا في ذاكرة لا تنسى ولا تسامح.
فكّر في شخص أمضى سنوات يبني صورته على الإنترنت. كلمة مدروسة، وزاوية مناسبة، ولحظة مختارة بعناية للظهور. ظنّ أنه يملك هذه الصورة تمامًا. ثم كفى موقف واحد، أو جملة أُسيء فهمها، ليأخذ الناس الصورة ويعيدوا رسمها كما يريدون. اكتشف حينها ما اكتشفه محفوظ قبل قرن: أن الاسم الذي بناه لم يكن ملكه في يوم من الأيام.
نحن ننفق ساعاتنا في صناعة انطباع لا نملك مفاتيحه. نظنّ أن الظهور أكثر يعني سيطرة أكثر. والحقيقة أن كل ظهور يسلّم جزءًا جديدًا منك إلى حكم الحارة. الإنسان يملك أفعاله. أما اسمه، فمِلكٌ للحارة.
العودة إلى المقهى
الآن نعود إلى الرجل الذي رفض الذهاب إلى ستوكهولم. لم يكن خجولًا، ولم يكن خائفاً، ولم يكن زاهدًا في التقدير. كان يفهم شيئًا فهمه قليلون. الجائزة لم تكن سوى حكم «الحارة الكبرى»، حارة العالم كله، على اسمه. وهو يعرف أن حكم الحارة ليس في يده. مهما ذهب وصافح ووقف تحت الأضواء، لن يزيد ذلك ولن ينقص من الصورة التي رسمها الناس عنه.
فماذا فعل؟ عاد إلى الجزء الوحيد الذي يملكه فعلًا. القهوة، والمقهى، والأصدقاء، والصفحة البيضاء في صباح اليوم التالي. ترك الاسم يكبر وحده في الخارج، وأمسك هو بالعمل في الداخل. لأن العمل هو الشيء الوحيد الذي كان يخصّه حقًا. أما بقية الضجيج، فكان منذ البداية ملكًا لغيره.
لقد أمضى محفوظ عمره يطارد المعنى، لا الاسم. وأخذ يعمل بهدوء، يوماً بعد يوم، بينما ظنّ الناس أنه يهرب. والاسم، من طول ما تجاهله، جاءه وحده. الذكاء أن تصنع اسماً. و الدهاء أن تعرف أنه، منذ اللحظة الأولى، لم يكن لك وحدك.
التعليقات