دفع ماجد فاتورة رجل لم يعرفه في المقهى. مبلغ صغير، ولفتة عابرة، ثم خرج. لكنه في الطريق إلى سيارته وجد نفسه يلتفت. كان يتمنى، دون أن يقول ذلك بصوت عالٍ، أن يكون أحدهم قد رآه.
في تلك اللحظة شعر بشيء غريب. الفعل كان جميلًا، لكن الرغبة التي جاءت بعده لوّثته قليلًا. لماذا أردتُ أن يراني أحد؟ ولماذا لم يكفني أن الله رآني؟
ماجد ليس رجلًا سيئًا. هو مجرد إنسان. والإنسان يريد أن يُذكر بخير. هذه الرغبة قديمة، أقدم منا جميعاً. حتى أن نبياً من أنبياء الله وقف يدعو ربه، فلم يطلب مالًا ولا ملكًا، بل طلب اسماً حسناً في الناس.
قال إبراهيم عليه السلام: "وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ". أي اجعل لي ذكرًا طيبًا في أناس لم يولدوا بعد. رجلٌ يفكر في سمعته بعد آلاف السنين. فإذا كان هذا دعاء نبي، فالرغبة في الاسم الحسن ليست عيبًا.
لكن هنا تبدأ الحكاية تتعقّد. لأن الدين نفسه الذي مدح الاسم الحسن، حذّرنا بشدة من أن نعمل من أجله. فكيف نجمع بين الأمرين؟ كيف يمدح الإسلام الاسم الحسن، ثم ينهاك أن تعمل من أجله؟ دع السؤال يعيش قليلًا. وتعال ننظر أولًا كم يُقدّس الإسلام سمعة الإنسان.
في القرآن آية تجعل الغيبة أبشع مما نتخيل. يقول الله: "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ". حين تتكلم في عرض غائب، فأنت في نظر القرآن كمن يأكل لحم أخيه وهو ميت. صورة قاسية، لكنها مقصودة. لأن سمعة الإنسان ليست شيئاً يُلعب به.
وفي حجة الوداع، وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام آلاف الناس. اختار أن يجمع ثلاثة أشياء في جملة واحدة. قال إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. جعل سمعتك في منزلة دمك ومالك. أي أن يشوّه أحدهم اسمك، أشبه بأن يسرق مالك أو يمدّ يده إلى دمك.
إذن السمعة في الإسلام غالية. غالية إلى هذا الحد. فمن الطبيعي أن نريد أن نحفظها.
لكن انظر الآن إلى الوجه الآخر. الوجه الذي وقع فيه ماجد وهو يلتفت في موقف السيارات.
هناك حديث قصير يهزّ الإنسان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به". معناه أن من عمل ليُسمَع الناس بعمله، سيفضحه الله أمامهم. والكلمة التي في الحديث هي كلمتنا نفسها. السُّمعة. أن تفعل الخير لتُذكر به، هذا اسمه في الدين مرض، لا فضيلة.
فتأمل المفارقة. الإسلام يريد لك اسمًا حسنًا، لكنه يحرّم عليك أن تسعى إليه مباشرة. يريد الثمرة، ويمنعك أن تركض خلفها. ولحل هذه العقدة، لن نذهب إلى كتاب فلسفة. سنذهب إلى سيرة رجل بنى أعظم سمعة عرفها التاريخ، قبل أن يدّعي شيئًا.
قبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن يحمل لقبًا دينيًا. كان مجرد شاب في مكة. لكن الناس أطلقوا عليه اسمًا بأنفسهم. الصادق الأمين. أعطوه هذا الاسم لأنهم جرّبوه سنوات. كان يحفظ الأمانة، ويصدق في الحديث، ويفي بالوعد. لم يقف يوماً ليقول للناس إنه أمين. تركهم يكتشفون ذلك بأنفسهم، فعلًا بعد فعل.
ثم جاءت اللحظة التي تحوّل فيها هذا الاسم إلى قوة حقيقية.
صعد النبي على جبل الصفا، وجمع قريشًا، وسألهم سؤالًا. لو أخبرتكم أن جيشًا خلف هذا الجبل يريد أن يهاجمكم، أتصدقونني؟ فأجابوه جميعًا. قالوا ما جرّبنا عليك كذبًا. في تلك اللحظة استعمل رصيدًا كان قد بناه بصمت طوال عمره. سنوات من الصدق الصغير، تحولت فجأة إلى ثقة كبيرة يستطيع أن ينفقها في أهم لحظة.
هنا القاعدة التي لا تظهر من النظرة الأولى. السمعة ليست شيئاً تصنعه بكلامك. إنها أثر يتركه فعلك. النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يبنِ اسمه. بنى صدقه، فبنى الصدق اسمه.
بل إن القرآن والسنّة يذهبان أبعد من ذلك. يجعلان القبول في قلوب الناس شيئاً يمنحه الله، لا شيئاً تنتزعه أنت. في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، إذا أحب الله عبداً نادى جبريل أن يحبه، ثم ينادي جبريل في أهل السماء، ثم يوضع لهذا العبد القبول في الأرض. لاحظ الكلمة. يوضع له. القبول يُوضع لك، ولا تصنعه بيدك.
الآن نستطيع أن نعود إلى ماجد، وإلى سؤاله في موقف السيارات.
مشكلة ماجد لم تكن أنه أراد اسماً حسناً. الأنبياء أرادوا ذلك. مشكلته أنه مدّ يده إلى الاسم مباشرة، وترك الفعل خلفه. الخير كان هو الأصل، والذكر كان مجرد ظله. وهو التفت ليمسك الظل، ونسي أنه لا يُمسك.
من يعمل ليُرى، يعمل على تلميع ظله. ومن يعمل لله، يعمل على الأصل، فيمشي الظل خلفه دون أن يطلبه.
السمعة التي تطاردها تهرب منك. والسمعة التي تستحقها تسبقك.
في مساء آخر، دخل ماجد المقهى نفسه. رأى رجلًا يعدّ نقوده على طاولة قريبة، فدفع عنه بهدوء، ثم خرج. لكنه هذه المرة لم يلتفت. لا لأنه توقف عن حب اسمه الحسن. بل لأنه أخيراً فهم أن هذا الاسم ليس من صنعه، وأنه إن أحسن العمل، فسيمشي أمامه إلى حيث لا يراه. الذكاء أن تعرف قيمة اسمك. والدهاء أن تعرف أنه ليس عملك، بل ظلّ عملك.
التعليقات