نزل مسافرٌ من الطائرة في مدينة لم يزرها من قبل. لم يكن يعرف عنها إلا صورًا لامعة رآها على الإنترنت، وإعلانًا معلّقًا في صالة المطار يعده بتجربة لا تُنسى. ركب سيارة الأجرة، وسأل السائق سؤالًا بريئًا: ما أجمل ما في مدينتكم؟ نظر إليه السائق في المرآة، وابتسم ابتسامة متعبة، وقال: لا شيء يستحق، صدقني. زحام وحر وغلاء. لو كنت مكانك لما نزلت من الطائرة أصلًا.
لم تكن الرحلة طويلة. عشرون دقيقة، لا أكثر. لكن الزائر خرج منها وقد تشكّلت في رأسه صورة كاملة عن المدينة. لم تصنعها الحملة الإعلانية التي كلّفت الملايين. صنعها رجلٌ واحد لا يعرف الزائر اسمه، في طريق من المطار إلى الفندق.
في مدينة أخرى، على بعد ساعات، نزل مسافرٌ آخر وطرح السؤال نفسه على سائقه. لكن هذا السائق أشرق وجهه. حدّثه عن حيٍّ قديم لا يعرفه السياح، وعن مقهى صغير يفتح بعد العصر، وعن مكان يجلس فيه الناس عند الغروب فيبدو كل شيء أهدأ. لم يذكر معلومة واحدة موجودة في دليل السياحة الرسمي. لكن الزائر، لأول مرة منذ نزوله، شعر أنه يريد أن يبقى.
مدينتان. الميزانيات ربما متقاربة، والمباني ربما متشابهة، والفنادق تحمل الأسماء نفسها. الفرق الوحيد الحقيقي كان في فم أول إنسان قابله كل زائر.
لماذا يصدّق الزائر جملةً عابرة من ساكن أكثر مما يصدّق حملةً كلّفت الملايين؟
الجواب بسيط، ومزعج قليلًا. نحن لا نثق بمن يريد أن يبيع لنا شيئًا. الإعلان يريد شيئًا منّا، ونحن نعرف ذلك في قرارة أنفسنا، فنرفع حاجزًا صغيرًا كلما رأيناه. أما الساكن العادي، فلا يبدو أنه يريد شيئًا. حين يمدح مدينته نظنه يقول الحقيقة، وحين يشكو منها نصدّقه أكثر، لأننا نفترض أن أحدًا لا يذمّ بيته إلا وهو صادق.
هنا تكمن قوة الساكن التي لا يعرف أنه يملكها. هو ليس طرفًا في معادلة الترويج، ولا يقبض مقابل كلامه، ولا يعرف أصلًا أن كلامه يُحسب. وهذا بالضبط ما يجعل جملته العابرة أثقل من لوحة إعلانية بحجم مبنى.
وهذا ليس اكتشافًا جديدًا. باريس لم تصبح مدينة الحب لأن أحدًا قرر ذلك في اجتماع. أصبحت كذلك لأن كتّابها وشعراءها وسكانها تحدثوا عنها بهذه الطريقة، جيلًا بعد جيل، حتى صار العالم يرى ما رأوه هم. الحجر نفسه موجود في مدن كثيرة. لكن الحكاية التي رواها أهل باريس هي التي سافرت وحدها إلى كل مكان.
والعكس صحيح تمامًا، وهو أقسى. هناك مدن جميلة يظلمها أهلها. فيها ما يستحق الزيارة، لكن ساكنيها اعتادوا الشكوى منها حتى صدّق الغريب شكواهم قبل أن يرى بعينيه. المدينة لم تتغير، ولم ينقص جمالها حجرًا واحدًا. الحكاية التي تُروى عنها هي التي تسمّمت.
واليوم لم تعد المحادثة تحدث في سيارة الأجرة وحدها. صارت تحدث في تقييم على خريطة، وفي مقطع مدته دقيقة، وفي منشور يكتبه ساكن وهو في طريقه إلى العمل. من يصوّر مدينته بعين محبة يفعل ما تعجز عنه أي حملة. ومن يصوّرها وهو غاضب منها يهدم، في ثوانٍ، ما تحاول الدولة بناءه بصوت عالٍ لسنوات.
وهذا يحدث في لحظة حسّاسة. دول كثيرة اليوم تفتح أبوابها للعالم، وتنفق المليارات لتقول له: تعال، وشاهد، وابقَ. تبني المتاحف والواجهات والمهرجانات، وتشتري المساحات الإعلانية في كل مكان. كل ذلك مهم. لكن الزائر لا يعيش داخل الإعلان. يعيش داخل سيارة الأجرة، وعند طاولة المقهى، وفي رد الموظف حين يسأله عن الطريق فيجيبه بضيق أو بترحاب.
هنا المفارقة التي تغيب عن كثير من خطط السياحة. نظن أن جذب الزوار مسألة صور كبيرة وميزانيات ضخمة، فننفق كل شيء على الصورة الكبيرة، وننسى المحادثات الصغيرة التي لا يحسبها أحد. لكن سمعة المدينة لا تُصنع في اللوحة المعلّقة على الطريق السريع. تُصنع في تلك اللحظات العابرة التي لا تدخل أي تقرير.
ولهذا فإن أثمن ما تملكه أي مدينة ليس معالمها، بل علاقة أهلها بها. حين يفخر الساكن بمكانه يتحول دون أن يدري إلى راوٍ له. يحدّث الزائر عنه، ويكتب عنه حين يسافر، ويدافع عنه حين يذمّه غريب. أما حين يخجل من مدينته أو يملّها، فإنه يهدم بصمت، ودون أن ينتبه، ما تحاول الدولة بناءه بكل هذا الجهد.
لا تُصنع سمعة المدينة في حملاتها، بل في الطريقة التي يتحدث بها أهلها عنها.
عد الآن إلى الزائر الأول، الذي أخبره السائق أن لا شيء يستحق. غادر المدينة بعد يومين، ولم يكتب عنها كلمة، ولم ينصح بها أحدًا. لم يفعل شيئًا ضدها، هذا صحيح. لكنه لم يفعل شيئًا لها أيضًا، وهذا وحده خسارة صامتة. أما الزائر الثاني، فعاد إلى بلده يحمل أسماء ثلاثة أماكن رواها له سائق لا يعرف اسمه، وصار هو نفسه يرويها لأصدقائه. المدينة الثانية لم تدفع ريالًا واحدًا مقابل ذلك. حصلت عليه لأن ساكنًا واحدًا أحبّ مكانه بما يكفي ليتحدث عنه بصدق.
في كل مدينة آلاف السفراء. لا يحملون بطاقات، ولا يعرفون أنهم سفراء أصلًا. سائق الأجرة سفير، والبائع في المتجر سفير، والموظف الذي يجيب عن سؤال في الطريق سفير، والجارة التي تستقبل الغريب سفيرة. كل واحد منهم يحمل جزءًا من سمعة المدينة في فمه، ويطلقه في كل محادثة عابرة، بينما لا ينتبه أحد إلى أن الصورة كلها تُكتب من هذه الجُمَل الصغيرة.
أجمل مدينة في العالم تبقى رهينة أول جملة يقولها عنها أحد أهلها.
التعليقات