في مستودع مغلق، كانت هناك خمسة وخمسون ألف قطعة مسكرة تنتظر. لم يكن أحد يستطيع شحنها. لم يكن أحد يستطيع بيعها. كان العالم كله قد أغلق أبوابه، وكانت هذه الصناديق آخر شحنة خرجت من ميلانو قبل أن تُسدّ الحدود.
صاحبة البراند اتصلت بشريكها في الليل. كانت قد بكت طوال النهار. قالت له إنها ورّطت نفسها، وربما ورّطته معها. خمسة وخمسون ألف قطعة، وفيروس ينتشر، وسوق متوقف، وبراند لم يُطلق بعد.
الآن نريد أن نعرف كيف وصلت إلى هنا. وكيف خرجت.
اسمها مينا. قبل هذه اللحظة بسنوات، كانت مهندسة تصميم داخلي. ثم أحبت التصوير، ثم دخلت عالم السوشيال ميديا. صنعت محتوى لثلاث عشرة سنة، حتى صارت لها عائلة كبيرة من المتابعين اقتربت من عشرة ملايين.
لكن القصة لم تبدأ من الأرقام. بدأت من سؤال صغير كان يتكرر عليها كل يوم.
كلما ظهرت أمام الكاميرا، سألها الناس السؤال نفسه: ما هي المسكرة التي تستخدمينها؟ ما سرّ رموشك؟ لم يكن سؤالًا عن منتج. كان سؤالًا عنها. ولأنه تكرر آلاف المرات، بدأت تنتبه إلى شيء لم تكن تراه من قبل.
كل صانع محتوى، عند نقطة ما، يكتشف أن الناس يسألونه عن شيء واحد بالذات. عن بشرته، أو أسلوبه، أو طبخته، أو في حالتها: عن رموشها. هذا السؤال المتكرر ليس إزعاجًا. إنه إشارة. إنه السوق يقول لك أين تقف قيمتك.
فبدأت تجرّب. أعلنت عن مسكرات كثيرة، وشاركت متابعيها التجربة. وكانت البراندات التي تعلن معها كلها براندات مسكرة، تريد أن تركّز على المسكرة تحديدًا. حتى إن الناس نسوا أسماء البراندات، وصاروا يقولون: "المسكرة التي استخدمتها مينا".
هنا كان يمكن أن تتوقف القصة. صانعة محتوى تبيع إعلانات، وتكسب جيدًا، وتنام مرتاحة. لكن شيئًا في ردود الفعل كان يزعجها.
كانت تنصح بمسكرة، فيشتريها المتابعون، ثم يرسلون لها صورهم. واحدة تقول: لماذا تطلع رموشك هكذا ولا تطلع رموشي؟ وأخرى تقول: المسكرة جميلة لكنها تتجمّع تحت عيني مثل الباندا. وثالثة: المسكرة رائعة لكنها تسبب لي صداعًا.
الصداع من مسكرة؟ هذا التفصيل الصغير هو الذي فتح الباب.
بدأت تبحث. وهنا تبدأ القصة الحقيقية، قبل أي منتج.
اكتشفت أن كل البراندات في العالم تفعل الشيء نفسه: تصنع مسكرة واحدة، وتبيعها للجميع. مسكرة واحدة لكل عين، لكل رمش، لكل امرأة على وجه الأرض. لكن الرموش ليست واحدة. هناك ثمانية أنواع من العيون. رموش قصيرة، طويلة، مستقيمة، خفيفة لا تظهر مهما وضعتِ عليها.
فبحثت عن مسكرة مصمّمة لنوع محدد. لم تجد. الفجوة كانت واضحة. الكل يبيع للكل، ولا أحد يبيع للمرأة التي رموشها مستقيمة، أو خفيفة، أو قصيرة.
هذا هو الخطأ الذي يقع فيه صنّاع البراندات: يريدون أن يبيعوا للجميع. ومن يريد أن يبيع للجميع، غالبًا لا يصنع شيئًا يشعر أحدٌ أنه صُنع له. مينا قررت العكس. أن تبيع للمرأة التي لم يصمّم أحد لها شيئًا، وأن تجعلها تشعر أن هذه المسكرة صُنعت لها وحدها.
طلبت من أحد البراندات أن تعدّل قليلًا في الفورمولا. قالوا لها: لا. شغلتك أن تبيعي، لا أن تتدخّلي في الصناعة. استفزّها الرفض. قالت لنفسها: لماذا أنتظر براند يقتنع بي وأنا أستطيع أن أصنع بنفسي؟
فتحت جوجل وكتبت: كيف تصنع مسكرة. لم يكن في يدها مال في البنك، ولا تعرف ما معنى "مستثمر". لكنها بحثت. وجدت أن إيطاليا هي مركز صناعة المكياج في العالم، أفضل المصانع وأفضل التقنيات. أرسلت عشرات الإيميلات. من هي أصلًا؟ براند صغيرة لم تولد بعد. أخذها الأمر سنة كاملة حتى يجيبها مصنع واحد.
مصنع واحد. متخصص في المسكرة تحديدًا. سخرية القدر أن المصنع الوحيد الذي ردّ كان هو المصنع الصحيح بالضبط.
ثم جاء الجزء الذي تعرفه مينا أكثر من غيرها.
لم تصمّم المسكرة كما تصمّم مصمّمة مكياج. صمّمتها كما تصمّم مهندسة تصميم داخلي. حين تصمّمين غرفة، تدرسين كيف يتحرك الإنسان فيها، أين ينام، كيف يفتح الخزانة. فأخذت هذه العين نفسها، ووجّهتها إلى وجه المرأة.
راقبت صديقاتها وهنّ يضعن المكياج. جلست ست ساعات تضع لصديقة واحدة، فاكتشفت أن رموش صديقتها لا تطلع مثل رموشها أبدًا. ثم اكتشفت شيئًا أكبر: لا توجد امرأة تستخدم مسكرة واحدة. كل امرأة عندها اثنتان أو ثلاث. واحدة تحب فرشاتها، وأخرى تحب فورمولتها. تفتح طبقة من هذه، ثم تمشّطها بفرشاة تلك.
هنا رأت مينا ما لم يره أحد. البراندات الأخرى تريد أن تكون المسكرة الواحدة في حياتك. مينا قررت أن تكون الصف كله. واحدة تطوّل، وواحدة تكثّف، وواحدة ترفع، وواحدة تنزل.
ودرست الفرشاة قبل أن تدرس الفورمولا. جلبت مسكرة، ونظرت في الفرشاة، وفكّكت كل مشكلة على حدة. المرأة ذات الرموش المستقيمة تحتاج فرشاة تعقف الرمش. لكل نوع فرشاة، ولكل نوع فورمولا.
ثم دخلت في التفاصيل التي يهملها الجميع. الشكل، لأنه أول ما يجذب. السعر، لأن مسكرات اللاكجري تبيع الجمال بمئتي درهم، ومسكرات الدرَق ستور تبيع الجودة بسعر رخيص لكن بشكل لا يُفتخر به. رأت الفجوة بينهما. لماذا لا تصنع شيئًا يبدو فاخرًا وسعره في المتناول؟
كل هذا استغرق ثلاث سنوات قبل الإطلاق. ثلاث سنوات حتى تقتنع بفورمولا. ثلاث سنوات من محاولة وفشل، ومصنع، وشحنة، ورحلة.
ثم جاءت اللحظة الكبرى. سنة 2020.
أسوأ سنة في التاريخ لتطلق فيها أي شيء. صوّرت الحملة، رتّبت الموقع، جهّزت كل شيء. خرجت آخر شحنة من ميلانو. ثم أُغلق كل شيء. وصلت البضاعة إلى المستودع، وجلست هناك. لا شحن، لا بيع، خمسة وخمسون ألف قطعة عالقة.
هنا يظهر رجل اسمه مستر عماد. الشريك الذي آمن بالفكرة قبل أن تظهر الأرقام. حين ذهبت إليه أول مرة، لم يكن عندها مال ولا معرفة كاملة بكيفية بناء البراند. لكنه آمن بها.
وفي ليلة المستودع، حين اتصلت به تبكي وتقول إنها ورّطت نفسها، قال لها كلامًا بسيطًا. قال: لا يهمّك. أنا أومن بكِ مئة في المئة. لا تفكري في المال. جرّبنا، نجح أو لم ينجح، نكون قد جرّبنا.
هذه الجملة غيّرت كل شيء في رأسها. قالت لنفسها: هذه الخمسة والخمسون ألف قطعة، إن لم أبعها، لن أخرج من بيتي. لن أضيّع مال إنسان صدّق بي.
لكن دعونا نرجع خطوة. من أين جاء رقم خمسة وخمسين ألفًا أصلًا؟
قبل ذلك، أرادت أن تعرف كم يمكن أن تبيع. لم يكن أحد يعرف. عرضت منتجًا في ستوري واحدة على السوشيال ميديا، فباعت منه ألف قطعة في أسبوع. فحسب الشريك على هذا الأساس. صورة واحدة كانت تجلب ستة آلاف إعجاب، ومتابعوها لم يصلوا المليون بعد. فطلبوا خمسة وخمسين ألفًا. ثم أغلق العالم.
ثم بدأ كوفيد ينحسر قليلًا. وحدث ما لم يخطر لأحد.
سوق أحمر الشفاه توقّف. المرأة تلبس كمامة، فلماذا تضع أحمر شفاه؟ لكن سوق العيون اشتعل. الكمامة تغطّي نصف الوجه، ويبقى النصف الأعلى. والعينان. المرأة التي لن تضع شيئًا آخر، ستضع مسكرة. الجميع في البيوت، الكل على الإنترنت، والكل يشتري.
الشيء الذي بدا نهاية العالم صار الفرصة. البراند الذي وُلد في أسوأ توقيت، وُلد في اللحظة التي احتاج فيها العالم عينين فقط.
لكن مينا لم تفتح المستودع وتفرغه دفعة واحدة. أطلقت منتجَين فقط. وحين نجح، لم تركض إلى المنتج الثالث والرابع. توقّفت. درست لماذا أحبّه الناس. أعطت المنتج وقته حتى يفهمه السوق.
هذه كانت استراتيجيتها. عكس الجميع تمامًا. رأت السوق كله يركض بسرعة، فأبطأت. رأت الجميع يعتبرون المنتج شيئًا يُباع، فصنعت له قصة. بعد خمس سنوات، ما زالت عندها اثنا عشر منتجًا فقط. اثنا عشر. بينما براندات أخرى تُغرق السوق بمنتج وراء منتج، حتى لا يعرف الزبون ماذا يشتري.
من يطلق منتجًا وراء منتج يحرق منتجاته. ومن يعطي كل منتج قصته، يبقى كل منتج في مكانه.
بقيت مسألة واحدة. المصداقية.
مينا عراقية، وفخورة بعراقيتها. أرادت أن تنزل بالبراند في السوق العراقي قبل أي مكان، رغم أنها مقيمة في دبي ومتابعوها في كل العالم. لماذا؟ لأن العراقيين يعرفونها، ويثقون بها، ويدعمونها.
وحدث شيء يكشف قيمة الثقة أكثر من أي رقم. الموزّع ذهب إلى المحلات وقال: مينا الشيخ ستنزل براندًا. سألوه: ما هو المنتج؟ قال: لا أستطيع أن أقول. كانت مصرّة ألا يعرف أحد ماذا ستنزل، خوفًا من التقليد.
ثلاثون نقطة بيع دفعت المبلغ كاملًا مقدّمًا، وهم لا يعرفون حتى ما هو المنتج. ثلاثون نقطة بيع اشترت اسمًا، لا سلعة.
هذا هو ما تفعله المصداقية. حين تعمل صانع محتوى بصدق سنوات طويلة، ولا تعلن إلا عمّا تؤمن به، ولا تكذب على من يتابعك، يصير اسمك أثمن من أي منتج تحمله. السوق لا يشتري ما تبيع. السوق يشتري أنك أنت من يبيع.
وحين أطلقت أخيرًا، آمن بها الفريق كما آمنت هي بالفكرة. جلبت مديرة براند كانت تعمل في أكبر شركات المكياج، ووضعتها في رأسها سنتين كاملتين قبل أن توقّع معها. لأن اليد الواحدة لا تصفّق. ولأن القائد الذي يريد أن يبني شيئًا كبيرًا، يبنيه بفريق يعيش التجربة معه، لا يعمل عنده.
نعود إلى المستودع.
الصناديق التي كانت مصيبة في تلك الليلة، صارت أول قصة نجاح. الرقم الذي بكت مينا بسببه، خمسة وخمسون ألفًا، لم يكن الخطأ. كان الإيمان. الشريك قال لها بعد الإطلاق: شطارتك ليست في الخمسة والخمسين ألفًا. شطارتك ستظهر حين تعيدين الطلب.
والقصة التي بدت سهلة وسريعة، لم تكن كذلك. حين تسمعها في ساعة، تبدو كأنها حدثت في لحظة. لكنها كانت ثماني سنوات. ثلاث في التطوير، وخمس في السوق. سنة كاملة فقط لينتبه مصنع واحد إلى إيميلاتها.
هذا ما لا نراه حين ننظر إلى نجاح جاهز. نرى اللحظة، ولا نرى الثماني سنوات تحتها. نرى الإطلاق، ولا نرى الليلة التي بكت فيها صاحبته أمام مستودع مغلق.
النجاح الذي يبدو لحظة، هو دائمًا سنوات مطويّة تحت لحظة.
التعليقات