في الثالثة عصر يوم ثلاثاء، وقف موظف عند باب مكتب مديره التنفيذي. كان معه ورقة واحدة، ويريد عشر دقائق فقط. سأسمّي المدير سلطان.

رفع سلطان رأسه عن الشاشة وقال بابتسامة متعبة: «أنا مشغول جدًا هذا الأسبوع، أرسلها لي بالبريد». أومأ الموظف وانصرف. كانت الورقة تحمل اعتراضًا من عميل كبير على بند في العقد، وكان الأمر يحتاج إلى قرار قبل نهاية الأسبوع.

لم يرسل الموظف شيئًا. حسبها بسرعة: المدير مشغول، والبريد سيضيع بين مئة رسالة، وإن كان الأمر خطيرًا فسيسأل عنه المدير بنفسه. بعد ثلاثة أسابيع غادر العميل، وفي اجتماع المراجعة نظر سلطان إلى فريقه وسأل: لماذا لم يخبرني أحد؟

الجملة التي تبدو كالوسام

لم يكن سلطان يقصد شيئًا سيئًا. في رأسه كانت الجملة وسامًا صغيرًا يعلّقه على صدره: أنا مطلوب، ووقتي غالٍ، والشركة لا تسير بدوني. وكلنا نفعل ذلك بدرجات مختلفة. نقولها في المصعد، ونكتبها في رسائل الواتساب، ونجيب بها حين يسأل أحدهم عن حالنا.

والجملة لها تاريخ طريف. قبل أكثر من مئة عام وصف الاقتصادي ثورشتاين فيبلن طبقة كانت تُظهر مكانتها بأنها لا تعمل أصلًا. كان الفراغ هو الدليل على أن الشخص كبير. ثم انقلبت الصورة، وصار الانشغال هو الدليل.

والمفاجأة أن العلم يقول إن الجملة تنجح فعلًا. لكن في مكان واحد فقط.

لماذا نصدّق من يقول إنه مشغول

نشر ثلاثة باحثين دراسة في Journal of Consumer Research عام 2017: سيلفيا بيليزا من جامعة كولومبيا، ونيرو باهاريا من جورجتاون، وأنات كينان من كلية هارفارد للأعمال. عرضوا على مشاركين في تجارب واستبيانات أشخاصًا بجداول ممتلئة، وآخرين يعيشون حياة أهدأ، ثم سألوهم عن مكانة كل منهم. كانت النتيجة واضحة: صاحب الجدول الممتلئ يبدو أعلى مكانة. وقدّرت بيليزا الفرق تقديرًا تقريبيًا بنحو ستة عشر في المئة.

السبب كما شرحه الباحثون أن الناس يفترضون أن المشغول يملك صفات يبحث عنها سوق العمل، مثل الكفاءة والطموح، وأنه نادر ومطلوب. وقالت كينان إن الاستهلاك الفاخر القديم كان يعرض سلعة نادرة، أما الجديد فيعرض الشخص نفسه على أنه الشيء النادر. أي أن الجملة تقول: وقتي قليل، إذن أنا ثمين.

لكن للنتيجة حدودًا. عند الإيطاليين انعكس الأثر، فقد رأوا في ساعات العمل الطويلة علامة على مكانة أقل لا أعلى. وقالت بيليزا إن الأمر يحتاج إلى أن يُفهم الانشغال على أنه اختيار مقصود. فالجملة ليست قانونًا من قوانين الطبيعة، بل عملة تصلح في ثقافة وتفلس في أخرى.

وهناك تفصيل آخر. الذين حكموا في تلك التجارب كانوا غرباء، قرأوا وصفًا لشخص ما ولم يطلبوا منه شيئًا قط. فماذا يحدث حين يكون السامع زميلًا يحتاج إلى هذا الشخص كل أسبوع؟

ما يسمعه من يعمل معك

هذا ما اختبرته جيسيكا رودل، أستاذة الإدارة في جامعة جورجيا، مع زميليها برايدن شانكلين وإيما فرانك. نُشرت نتائجهم عام 2024 في مجلة Personnel Psychology. بدأوا بتجربة شارك فيها 360 شخصًا، قرأ كل منهم أقوال زملاء متخيَّلين عادوا من مؤتمر. قال أحدهم إن المؤتمر مجرد شيء آخر في طبق ممتلئ أصلًا. وقال آخر إن العمل مرهق. وقال ثالث إن المؤتمر كان رائعًا.

حكم المشاركون على صاحب الطبق الممتلئ بأنه أقل كفاءة وأقل قبولًا، وقالوا إنهم أقل استعدادًا لمساعدته. ثم سأل الباحثون 218 موظفًا عن تجاربهم الحقيقية مع زملاء يتباهون بضغط العمل، فجاءت النتيجة مشابهة. وكان زملاء المتباهين يشعرون بإرهاق أكبر هم أنفسهم.

والتفصيل الأجمل في الدراسة هو هذا. من يبدو للناس أنه مضغوط فعلًا، دون أن يعلن ذلك، يُرى أكثر كفاءة لا أقل. ومن يذكر ضغطه عرضًا لا يستفز أحدًا. المشكلة إذن ليست في أن تكون مشغولًا، بل في أن يصبح الإعلان عن ذلك عادة يومية. ويجب أن نكون دقيقين هنا: الدراسة تتحدث عن التباهي بالضغط، وهو قريب جدًا من التباهي بالانشغال، لكنه ليس الشيء نفسه تمامًا.

عاد الموظف إلى مكتبه، وعدنا نحن إلى سلطان. لم يسمع الموظف في جملة المدير كلمة «أهمية». سمع بابًا يُغلق.

الفاتورة التي يدفعها غيرك

سأل باحثون في جامعة بافالو سؤالًا مختلفًا: ماذا يفعل انشغال المدير بمن يعمل تحته؟ وجدوا في دراسة نُشرت في International Journal of Social Psychology أن المديرين الذين يُظهرون انشغالهم كثيرًا يعمل تحتهم موظفون يشعرون بدعم أقل من مؤسستهم. وهذا الشعور يقود إلى مشاركة أقل في العمل، وإرهاق أكبر، ورغبة أكبر في المغادرة. وفي دراسة ثانية ظهر أن حتى الإظهار العابر للانشغال يترك أثرًا سيئًا.

فكّر في الآلية. الموظف لا يقرأ مديرًا مشغولًا، بل يقرأ رسالة عن المؤسسة كلها: هنا الحاجات تكلّف، والمشكلات تُحمل بصمت، ومن يطرق الباب يدفع ثمن الطرق. ومع الوقت يتعلم الفريق ألا يطرق. وهذا ما جرى في مكتب سلطان. لم تخسر الشركة العميل لأن موظفًا كسولًا أهمل الأمر، بل لأن الطريق إلى القرار صار يبدو غاليًا.

لكن يبقى سؤال صغير. هل كذب سلطان حين قال إنه مشغول؟ على الأرجح لا. هو مشغول فعلًا، والسؤال هو بماذا.

مشغول بماذا؟

في عام 2002 نشرت هايكه بروخ وسومانترا غوشال في Harvard Business Review نتائج عشر سنوات من مراقبة مديرين في شركات كبرى، منها سوني ولوفتهانزا. وصلا إلى رقم صادم: تسعون في المئة من المديرين يبددون وقتهم في أنشطة غير فعالة. عشرة في المئة فقط يعملون بتركيز وطاقة وهدف واضح.

أما البقية فتوزعوا على ثلاث فئات. نحو أربعين في المئة نشيطون لكن مشتتون، وثلاثون في المئة يؤجلون، وعشرون في المئة غير متحمسين لما يفعلون. وقال الباحثان عن النوع الأول إنه يخلط بين الحركة السريعة والعمل المنتج. الدراسة قديمة نسبيًا وتخص شركات كبيرة، ولا تقول شيئًا عن منطقتنا، لكن الظاهرة التي وصفتها مألوفة لكل من جلس في اجتماع طويل ثم سأل نفسه: ما الذي تغيّر بعد كل هذا؟

ومعنى ذلك أن عبارة «أنا مشغول» قد تصف حجم العمل، وقد تصف غياب الأولويات. والسامع لا يعرف أيهما، لكنه يخمّن، وتخمينه كما رأينا لا يكون في صالحك.

إذا كان عمل القائد أن يقرر أين يذهب وقت المؤسسة، فمن الذي يقرر أين يذهب وقته هو؟

حين يقول القائد إنه مشغول، فهو يكشف دون قصد أن جدوله هو من يقرر عنه. والقيادة في جوهرها قدرة على قول «لا». فمن لا يستطيع أن يقولها لاجتماع غير ضروري، كيف سيقولها لمشروع لا يستحق؟

ما يفعله من لا يعلن شيئًا

تخيّل أن سلطان أجاب الموظف في ذلك اليوم بجملة مختلفة: «ساعتي مزدحمة الآن. تعال الخميس في التاسعة، وقل لي في جملة واحدة: هل الأمر يخص عميلًا؟». كان الموظف سيقول نعم، وكان سلطان سيفتح له الباب في اللحظة نفسها. جدول المدير هو نفسه، وعدد اجتماعاته هو نفسه. الذي تغير أن جوابه صار يحمل قرارًا بدل أن يحمل شكوى.

الفرق بين الجملتين صغير في الطول، كبير في المعنى. الأولى تصف حالة سلطان وتطلب من الآخرين أن يتفهموه. والثانية تعطي الموظف شيئًا يتحرك: موعدًا، وسؤالًا، وإشارة إلى أن الأمر قد يكون عاجلًا. ولهذا تجعل صاحبها يبدو أكثر سيطرة لا أقل.

ويبدو أن القادة الذين يرتاح الناس إلى العمل معهم يفعلون هذا بالضبط. لا يخفون أن وقتهم محدود، فهذا مستحيل، لكنهم يحوّلون الحدود إلى قرارات: هذا الآن، وهذا لاحقًا، وهذا لا. القرار يُرى، والإعلان يُسمع، والناس تثق بما تراه أكثر مما تسمعه.

القائد لا يُقاس بكثرة ما يحمل، بل بوضوح ما يترك.

العودة إلى المكتب

في الثالثة عصر يوم ثلاثاء آخر، وقف الموظف نفسه عند باب سلطان. هذه المرة لم يحمل ورقة. كان معه سؤال فقط: هل لديك دقيقة؟

كان سلطان قد جعل الساعة الأولى من عصر كل ثلاثاء مفتوحة لفريقه، وكتب ذلك في تقويمه حيث يراه الجميع. لم يقلل اجتماعاته كثيرًا، وإنما غيّر ما يقوله حين يسأله أحد عن وقته. جلس الموظف وأخبره عن عميل آخر بدأت علامات التذمر تظهر عليه، وانتهى الحديث في عشر دقائق.

الذكاء أن تملأ يومك، والدهاء أن تترك فيه مكانًا لمن يحتاجك.


المصادر

  • Bellezza, Paharia, Keinan. "Conspicuous Consumption of Time: When Busyness and Lack of Leisure Time Become a Status Symbol." Journal of Consumer Research, 2017. https://ideas.repec.org/a/oup/jconrs/v44y2017i1p118-138..html
  • Columbia Business School، حوار مع سيلفيا بيليزا (تقدير الـ16% واشتراط أن يُفهم الانشغال على أنه مقصود): https://business.columbia.edu/insights/chazen-global-insights/busy-you-must-be-important
  • Harvard Business School Working Knowledge، حوار مع أنات كينان (فكرة "أنا السلعة النادرة" والنتيجة الإيطالية): https://www.library.hbs.edu/working-knowledge/having-no-life-is-the-new-aspirational-lifestyle
  • Rodell, Shanklin, Frank. "I'm so stressed!": The relational consequences of stress bragging. Personnel Psychology, 2024. https://www.sciencedaily.com/releases/2024/05/240523153645.htm و https://www.terry.uga.edu/stress-bragging-backfires-at-work
  • Park et al. Managers' displays of busyness predict employees' job engagement, burnout and turnover intentions. International Journal of Social Psychology. https://researchconnect.suny.edu/en/publications/managers-displays-of-busyness-predict-employees-job-engagement-bu/
  • Bruch, Ghoshal. "Beware the Busy Manager." Harvard Business Review, February 2002. https://www.alexandria.unisg.ch/id/eprint/19546 و https://www.creativityatwork.com/?p=9340