في الحادية عشرة ليلًا، كان سلطان يشاهد فيديو عنوانه: "كيف تبني اسمًا عالميًا في تسعين يومًا باستخدام الذكاء الاصطناعي." شاهده مرتين. ثم فتح جهازه وبدأ من فوره.

في الأشهر الستة التالية، لم يكتب سلطان جملة واحدة بنفسه. الآلة كتبت له المنشورات، وصممت له الصور، ورتبت له جدول أسبوع كامل في دقائق. كان يضغط "نشر" كل صباح، ثم يمضي في يومه وهو يشعر أنه يتقدم نحو شيء كبير.

ونجح. أو هكذا بدا الأمر. أربعون ألف متابع في نصف عام، من داخل بلده ومن خارجها. تعليقات، وإعادة نشر، ورسائل تصله من أماكن لم يزرها تقول له إنه "ملهم". شعر سلطان أنه صار اسمًا.

ثم جاءت الدعوة. جلسة على مسرح صغير، أضواء، وكراسٍ ممتلئة. وسؤال من الصف الأول لم تُعدّه الآلة له، سؤال بسيط عن الشيء نفسه الذي بنى عليه اسمه كله. نظر سلطان إلى الوجوه المنتظرة، وصمت.

لم تكن المشكلة في الآلة. الآلة فعلت ما طُلب منها بإتقان. المشكلة أن الاسم الذي بناه كان واجهة لامعة أمام غرفة فارغة. كل شيء كان في الخارج، ولم يكن هناك ما يسنده في الداخل.

قصة سلطان ليست جديدة. الجديد فيها هو السرعة وحدها.

منذ زمن بعيد، بنى الناس سمعتهم بطريقتين: بطيئة وسريعة. البطيئة تشبه التاجر القديم في السوق. لم يكن اسمه على لافتة، بل في ذاكرة من تعاملوا معه. من اشترى منه مرة عرف أنه يفي، فعاد إليه، ونقل اسمه إلى غيره. استغرق ذلك سنوات، وكان يكفي وعدٌ مكسور واحد ليهدم ما بُني في عقود.

والأعجب أن اسم ذلك التاجر كان أحيانًا يسافر أبعد منه. تاجر في مدينة أخرى، لم يره في حياته، يقبل ورقة تحمل اسمه ويعطيه بضاعة على أساسها. تلك كانت "السمعة العالمية" في زمانها. اسم يعبر المسافات محمولًا على شيء واحد فقط: الثقة. كانت نادرة، وبطيئة، وباهظة الثمن. ولهذا بالذات كان الناس يصدقونها.

ثم جاءت الطريقة السريعة. اللافتة الكبيرة، والإعلان، والصورة المصقولة. من يملك المال يستطيع أن يبدو أكبر مما هو. لكن هذه الطريقة ظلت مكلفة ومحدودة، ولم تكن في متناول الجميع.

الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل قلبا المعادلة كلها. لأول مرة في التاريخ، صار بإمكان أي شخص أن يبدو خبيرًا، ومجانًا تقريبًا، وأمام العالم كله. الآلة تكتب بلغة واثقة، وتصمم صورًا تبدو احترافية، وتنتج في ساعة ما كان يحتاج فريقًا وشهرًا. والشبكة تحمل ذلك كله إلى قارات لم تكن تصل إليها من قبل. صار الوصول إلى العالم في جيب كل إنسان.

وهنا تكمن المفارقة التي لم ينتبه لها سلطان. حين يصبح الشيء متاحًا للجميع، يفقد قيمته. وحين يستطيع الجميع أن يبدو خبيرًا أمام العالم، لم يعد "أن تبدو خبيرًا" يعني شيئًا لأحد.

إذا استطاع الجميع أن يبدو خبيرًا، فبمن يثق الناس؟

دعنا نترك السؤال يتنفس قليلًا، ونخرج من قصة سلطان إلى المشهد الأكبر. انظر إلى من ينجحون على مستوى العالم اليوم. ليسوا بالضرورة أصحاب أكثر المحتوى، فالمحتوى صار رخيصًا والعالم غارق فيه. تُنشر كل يوم ملايين المنشورات التي تبدو ذكية، وكلها يشبه بعضها: النبرة نفسها، والثقة نفسها، والنصائح نفسها المعاد تدويرها. صار الظهور ضجيجًا، وصار العالم أشبه بقاعة يصرخ فيها الجميع في وقت واحد.

الذين يقطعون هذا الضجيج نوع مختلف. يملكون شيئًا لا تستطيع الآلة أن تصنعه: أناس اختبروهم فوجدوهم حقيقيين، وأناس شهدوا لهم أمام غيرهم. دخلوا الغرفة، وسُئلوا السؤال الصعب، فأجابوا. ثم خرج من كان في الغرفة ليحمل أسماءهم إلى غرف أخرى.

الآلة تستطيع أن تصنع حضورًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع ثقة. الثقة ليست شيئًا يُكتب، بل شيء يُختبر. تُبنى حين يعتمد عليك أحدهم فلا تخذله، وتُبنى حين تقول شيئًا اليوم فيتبين غدًا أنك كنت صادقًا. هذه أشياء تحدث خارج الشاشة، في العالم الذي لا تصل إليه أوامر الآلة.

عُد إلى التاجر القديم مرة أخيرة. لماذا كان اسمه يعبر المدن؟ ليس لأنه تحدث عن نفسه كثيرًا، بل لأن كثيرين تعاملوا معه وشهدوا له ونقلوا اسمه. سمعته لم تكن ما قاله عن نفسه، بل ما قاله عنه الآخرون حين لم يكن حاضرًا. وهذا بالضبط ما لا تملك الآلة أن تعطيك إياه، مهما كتبت لك من منشورات.

هنا كان خطأ سلطان. ظنّ أن السمعة شيء تقوله عن نفسك بصوت عالٍ وتكرار كافٍ. لكن السمعة الحقيقية هي ما يبقى في رؤوس الناس بعد أن تُغلق شاشتك وتذهب. هي ليست ملكك وحدك، بل وديعة عند الآخرين، وأنت لا تكتبها، بل تستحقها.

والذكاء الاصطناعي، بكل قوته، يعمل غالبًا على الجانب الخطأ من هذه المعادلة. يجعلك أسرع في الكلام عن نفسك، لكنه لا يجعل الآخرين يثقون بك أكثر. بل قد يفعل العكس على المدى الطويل. لأن الناس يتعلمون مع الوقت أن يميزوا الصوت المصنوع من الصوت الحقيقي، ومتى شعروا بالفراغ خلف الواجهة، انسحبت الثقة أسرع مما جاءت. وعلى مسرح عالمي، يكون السقوط أوسع بقدر ما كان الظهور واسعًا.

حين يصبح الظهور رخيصًا، تصبح الثقة هي العملة النادرة.

هذا لا يعني أن نترك الأدوات، فالأدوات ليست العدو. المشكلة لم تكن أن سلطان استخدم الآلة، بل أنه استخدمها ليبني الواجهة ونسي أن يبني ما خلفها. الأداة نفسها يمكن أن تخدم الاتجاهين، والفرق كله في السؤال الذي تطرحه عليها.

تخيّل لو أنه فعل العكس. لو استخدم الآلة لتساعده على الفهم بدل أن تساعده على الظهور. أن يسألها ليتعلم لا لينشر، وأن يبني معرفة حقيقية في شيء واحد، ثم يتحدث عنه لأنه يعرفه فعلًا لا لأن الجدول يطلب منشورًا اليوم. الأداة ذاتها، لكن الوجهة مختلفة تمامًا.

الذين ينجحون عالميًا وسط هذا الطوفان يفهمون هذا جيدًا. يستخدمون الآلة لتضخيم شيء حقيقي، لا لتصنيع شيء غير موجود. الآلة عندهم مكبّر صوت، وأنت لا تضع مكبّرًا أمام صمت، بل أمام شيء يستحق أن يُسمع. حينها فقط يصبح الوصول العالمي نعمة لا فخًّا.

عاد سلطان إلى جهازه في الليلة التالية. لم يحذف الأدوات، لكنه غيّر ما يطلبه منها. توقف عن سؤال "اجعلني أبدو خبيرًا"، وبدأ يسأل "ساعدني أن أفهم هذا الذي أريد أن أُعرف به". ثم فعل الأصعب: اختار موضوعًا واحدًا، وقرر أن يعرفه أكثر لا أن يتحدث عنه أكثر، لأنه فهم أخيرًا أن أربعين ألف متابع لا تساوي شيئًا أمام سؤال واحد لا يملك جوابه.

الذكاء أن تجعل الآلة تتحدث عنك. والدهاء أن يكون خلف الحديث شيء يستحق أن يُقال.