في صيف عام ١٣٢٥ للميلاد، خرج شاب من طنجة وحده، بلا رفيق يأنس به ولا قافلة يسير في ظلها. كان في الثانية والعشرين تقريبًا، وكان يظن أنه ذاهب إلى الحج ثم عائد إلى أهله. وبعد سنوات طويلة كتب يصف تلك اللحظة: "فحزمت أمري على هجر الأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور. وكان والداي بقيد الحياة، فتحملت لبعدهما وصبًا." غاب ابن بطوطة نحو ربع قرن. والذي عاد إلى المغرب لم يكن الشاب الذي خرج منه، فذلك الشاب بقي في مكان ما على الطريق.

في هذه الجملة سرّ لا ينتبه له كثيرون. نحن نقرأ الرحلة على أنها قصة أماكن، وهي في حقيقتها قصة إنسان يتبدّل مع كل مكان. والطير لا يغادر العش لأنه يكره العش، ولا لأنه جحد الدفء الذي ربّاه. يغادره لأن جناحيه كبرا عليه، ولأن البقاء صار أضيق من الرحيل. وهذا الكتاب كله محاولة لفهم تلك اللحظة التي يصبح فيها العش أصغر منك.

السؤال الأول

كنت في الثامنة حين طرحت أول سؤال وجودي في حياتي، ولم أكن أعرف يومها أن لمثل هذا السؤال اسمًا. عدت من مدرستي الجديدة في بريدة، ووقفت أمام أمي، وقلت لها بنبرة يملؤها الاستغراب: "يمه، يقولون لي يالمصري." كنت قد جئت لتوي من اللسيب، قرية صغيرة في القصيم يسكنها أقل من خمسمئة إنسان، تبدو من بعيد كمزرعة كبيرة نسي أحدهم فيها بعض البيوت. الفصل هناك كان اثني عشر طالبًا، والجميع أصدقاء. أما الفصل الجديد فكان أربعة وأربعين طالبًا، وكل مجموعة فيه تعرف حدودها جيدًا.

لم أكن من السعوديين، لأن أمي ليست سعودية الأصل، ولأن بشرتي الفاتحة تحمرّ تحت شمس الصباح فتفضحني قبل أن أتكلم. ولم أكن من الأجانب، لأنني ببساطة لست أجنبيًا. كنت في المنتصف، والمنتصف مكان لا يُعلَّق فيه اسمك على أي باب. وفي تلك السن يريد الطفل شيئًا واحدًا قبل كل شيء، أن يكون جزءًا من مجموعة يلعب معها ويشبهها. وأنا لم أجد تلك المجموعة.

ردّت أمي بثقة من يعرف ما يقول: "المصريين من أعظم الناس في العالم، كلهم علماء ومخترعين." لم أتحقق يومها من دقة هذه الإحصائية، لكنها كانت كافية تمامًا لطفل في الثامنة. ومن تلك الجملة بدأت أفهم شيئًا سيرافقني طوال حياتي، وهو أن من لا يجد مكانًا ينتمي إليه ليس بلا مكان، بل هو مدعوّ لأن يصنع مكانه بيده. صرت عريف الفصل في تلك السنة، وبقيت كذلك كل سنة حتى تخرجت من الثانوية. وأعترف أنني لم أنل بعد ذلك منصبًا يضاهيه في الهيبة.

سلسلة من الوداعات

إذا نظرت إلى حياتي من بعيد، فلن ترى خطًا مستقيماً يصعد بثبات. سترى سلسلة من الوداعات، كل واحد منها يفتح بابًا ويغلق آخر. ودّعت القرية إلى المدينة، ثم ودّعت بريدة إلى عنيزة حين مرض جدي، ثم عدت إلى بريدة وأنا أردد في سري: "يا ليت كنا في عنيزة." كنت أظن في كل مرة أن هذا آخر انتقال. ولم يكن كذلك أبدًا.

ثم جاءت البعثة إلى كندا، وجاء معها رفض أبي الذي لم يكن يقبل النقاش. طلبت من أهلي ألا يوصلوني إلى المطار، لأنني كنت أعرف أن الوداع عند البوابة أثقل مما أحتمل. كان والداي بقيد الحياة، فتحملت لبعدهما وصبًا، ولم أكن أعرف حينها أن رجلًا من طنجة كتب هذه الجملة قبلي بسبعة قرون. ركبت الطائرة وأنا أحمل حقيبة وعنادًا وقليلًا من الخوف. ولم أكن أعلم أن أصعب وداع ينتظرني هناك.

في جامعة ماكغيل ودّعت الطالب المتفوق الذي كنته طوال عمري. رسبت في جميع موادي في الفصل الأول، ولا أقول معظمها، أقول جميعها. كنت أجلس في قاعة فيها ثمانمئة طالب، ولا أحد منهم يعرف أنني كنت الأول على صفي، ولا أحد منهم يهتم. فانسحبت إلى داخلي، وبقيت منعزلًا نحو ثمانية أشهر. وكانت تلك أطول ثمانية أشهر عرفتها.

ثم صدر أمر ملكي بمضاعفة مكافأة المبتعثين، فاشتريت بها كاميرا نايكون دي ٩٠. كان قراراً مالياً لا يُدرَّس في كليات الاقتصاد، لكنه كان أذكى استثمار في حياتي. الكاميرا أخرجتني من عزلتي، لأنها أعطتني سببًا لأقترب من الناس وأهديهم صورهم. ثم صارت مهنتي، ثم صارت الجسر الذي عبرت عليه من عالم الطب إلى عالم الأعمال. وما زلت أحتفظ بها إلى اليوم، كما يحتفظ الإنسان بمفتاح بيت قديم.

وبعد أحد عشر عامًا جاء اتصال من أمي، ومن يعرف الأمهات يعرف أن بعض الاتصالات لا تحتمل التأجيل. في شهرين فقط ودّعت مونتريال وكل ما بنيته فيها من عمل وأصدقاء وحياة. عدت إلى وطن تغيّر كثيرًا في غيابي، حتى صار في عيني وطنًا جديدًا. عدت بلا خطة وبلا وظيفة، وأنا الذي كنت أظن أنني تعلمت التكيّف مرة واحدة وإلى الأبد. وكان عليّ أن أتعلمه من جديد.

قانون الوداع

تعلّمت من هذه السلسلة قانونًا واحدًا، وسأضعه أمامك صريحاً: كل مرحلة نمو تبدأ بموت صغير. لا بد أن تموت نسخة منك لتولد النسخة التالية، ولا توجد طريقة أخرى. القروي يموت ليولد ابن المدينة، والطالب المتفوق يموت ليولد الطالب الذي تعلّم من الرسوب. وطالب الطب يموت ليولد المصوّر، والمغترب يموت ليولد العائد. ومن يرفض هذا الموت الصغير، يحكم على نفسه بأن يعيش النسخة ذاتها حتى النهاية. الناس يظنون أن الوداع نهاية، وأنا أظنه ولادة لم يكتمل موعدها بعد.

لماذا " نمو"؟

كثيرون يحبون شيئًا ولا ينمون فيه. الشغف وحده نار بلا موقد، يدفئك ليلة ثم يتركك رمادًا في الصباح. أما النمو فيحتاج ثلاثة أشياء، وعليها قام هذا الكتاب: النية، والمعلومات والمهارات، والوعد. هذه الثلاثة ليست نظرية قرأتها في كتاب. هي ما بقي في يدي بعد كل وداع.

النية أولها، وهي أن تعرف لماذا تريد أن تتغير، فالنية الصافية بوصلة لا تخونك حين يخونك كل شيء آخر. ثم المعلومات والمهارات، وهي أن تتعلم ما يلزمك، وأن تتقن أدواتك حتى تستطيع أن تكرر العمل الجيد متى شئت. وهذا هو الفرق الحقيقي بين الهاوي والمحترف. ثم الوعد، وهو أن تلتزم أمام نفسك، وأن تفي بهذا الالتزام في الأيام الصعبة قبل السهلة. فالوعد الذي لا يُختبر ليس وعدًا.

وفوق هذه الثلاثة شيء رابع لا يُكتسب بالتدريب، وهو الامتنان. الامتنان لله أولًا على الطريق كله، بما فيه من سقوط وقيام. فالإنسان الممتن لا يحاكم نفسه كثيرًا، ولا يلتفت طويلًا لأحكام الناس عليه. يعيش اللحظة بما فيها، ثم يمضي إلى ما بعدها. ولهذا اخترت أن أختم به الكتاب.

عن هذا الكتاب او هذه النشرة بالأصح

هذا ليس كتاب نجاح. كتب النجاح تبدأ من القمة، ثم تنظر إلى الوراء بابتسامة واثقة. أما هذا فكتاب تكيّف، يبدأ من المنتصف وينظر إلى الوراء بصدق. لن أحكي لك عن الانتصارات وحدها. سأحكي عن العزلة، والرسوب، والشراكة التي انتهت، والقرارات التي اتخذتها وأنا خائف.

ستجد فيه سبعة فصول. الخمسة الأولى تحكي مراحل حياتي بالترتيب: الوداع، ثم البدايات، ثم الوطن الجديد، ثم وداع الوطن الجديد، ثم العودة. والفصلان الأخيران عن شيئين تعلمتهما من كل ما سبق، هما الالتزام والامتنان. كل فصل يبدأ بقصة، وكل قصة تنتهي بعبرة. فالنمو لا يحدث في الأيام الجميلة، بل في الأيام التي تظن فيها أنك لن تكمل.

إليك

عزيزي القارئ، ربما أنت الآن في المنتصف. ربما تركت مدينة، أو وظيفة، أو تخصصًا، أو نسخة قديمة من نفسك، ولم تصل بعد إلى ما سيكون. أريدك أن تعرف أن هذا المنتصف ليس ضياعًا، بل هو المكان الذي تكبر فيه الأجنحة. كتبت هذا الكتاب لتقرأ فيه قصتي. وأرجو أن تغلقه وأنت تفكر في قصتك.

أمير الباحوث