دخل سلمان إلى المركز التجاري وفي ذهنه مهمّة واحدة: شاحن هاتف، ثم البيت. لم يكن جائعًا، فقد تعشّى قبل نصف ساعة. كان يريد أن ينتهي بسرعة ويعود.
مرّ بجانب محل الوجبات السريعة دون أن ينظر إلى اللافتة. لكن أنفه التقط شيئًا قبل أن تلتقطه عيناه. رائحة بطاطس مقلية، ساخنة، تملأ الممر كله وتدعوه للدخول.
بعد عشر دقائق كان سلمان واقفًا في الطابور، يحمل علبة لم يكن ينوي شراءها. قال لنفسه إنه صار جائعًا قليلًا. لكنه لم يكن جائعًا قبل أن يشمّ الرائحة. شيء ما قرّر بدلًا منه، ثم أقنعه أنه هو من قرّر.
تبدو القصة تافهة. مجرد رجل اشترى بطاطس في طريقه إلى شاحن. لكن خلف تلك الرائحة قصة أكبر، وخلفها رجل قضى سنوات يحاول أن يفهمها.
قبل سنوات، كان أحمد المسعري يعمل في عالم المال. كان يدير صندوقًا استثماريًا في أستراليا، بترخيص من الجهة الرقابية هناك. عالمه كان الأرقام. واحد زائد واحد يساوي اثنين، بلا مفاجآت.
ثم قرّر أن ينتقل إلى التسويق. قال له أحدهم جملة قصيرة: "لا تقدر. أنت ماذا تفهم في التسويق؟" لم تُحبطه الجملة، بل فعلت العكس. صار يريد أن يعرف ما الذي لا يفهمه.
فبدأ يبحث. وكانت أول معلومة صدمته أن رائحة البطاطس في واحد من أشهر مطاعم العالم ليست رائحة حقيقية. إنها رائحة مصنوعة في المختبر، صمّمها مركز أبحاث لسبب واحد: أن تضرب منطقة في الدماغ اسمها مركز المكافأة. المنطقة نفسها التي تجعلك تشعر أنك تريد، قبل أن تفكّر لماذا تريد.
اكتشف أحمد أن هذا ليس استثناءً. إنه طريقة عمل صناعة كاملة. عصير البرتقال في الصباح في أمريكا لم يكن عادة طبيعية، بل عادة صُنعت. تغيير عادات القهوة في اليابان لم يحدث صدفة، بل خُطّط له. حتى تفضيلك نوعًا من الكولا على آخر يُدرَس اليوم بأجهزة تصوّر نشاط الدماغ، نفسها التي تراها في المستشفيات، لمعرفة أي علبة تُضيء رأسك أكثر.
يقول أحمد جملة تبدو غريبة: عقل الإنسان غبي وذكي في الوقت نفسه. كرّر أمامه شيئًا مرات كافية، وسيبدأ يصدّقه. المشروب الذي قد تكره طعمه لو ذقته وحدك، تحبّه فجأة بعد أن رأيت إعلاناته مئة مرة. لم يتغيّر الطعم. تغيّر ما في رأسك عن الطعم.
هنا يتوقف القارئ عادةً، لأن سؤالًا يفرض نفسه.
ماذا لو أن أغلب ما نسمّيه اختيارنا، يُصنَع في مكان لا نراه، قبل أن نشعر أننا اخترنا؟
لفهم الجواب، ننزل خطوة إلى داخل الرأس. في علم التسويق العصبي، هناك مركزان يحكمان أغلب قراراتنا. الأول مركز المكافأة، ويسأل دائمًا سؤالًا واحدًا: ماذا سأربح؟ والثاني مركز الألم، ويسأل سؤالًا مقابلًا: ماذا سأخسر؟
هذان السؤالان يتحدثان مع بعضهما في أقل من جزء من الثانية. أنت لا تسمعهما، لكنهما يقرّران. والمثير أن كفّتهما ليست متساوية. الإنسان يخاف من خسارة شيء يملكه أكثر بكثير مما يفرح بربح شيء جديد.
هذه الجملة الصغيرة تفسّر نصف ما تراه حولك. حين يقول لك المتجر "بقيت خمس قطع فقط"، فهو لا يغريك بالربح، بل يخيفك من الخسارة. وحين يكتب "العرض ينتهي بعد أربع وعشرين ساعة"، فهو يوقظ مركز الألم لا مركز المكافأة. لأنه يعرف أن الخوف من الفقد أقوى من متعة الكسب.
وربما لهذا نستجيب بهذه السرعة. أغلبنا كبر على لغة التخويف منذ الطفولة. "يا ويلك إن فعلت"، "انتبه، لا تخسر". فحين يأتي إعلان يلمس الخوف نفسه، يجد بابًا كان مفتوحًا في داخلنا منذ زمن.
إلى هنا، قد يبدو هذا كله دليلًا مخيفًا. كأن التسويق مجرد فنّ للضغط على أزرار خفيّة في رؤوس الناس ليشتروا ما لا يحتاجون. لكن أحمد يروي قصة تقلب الصورة.
في أستراليا، عمل على حملة لمواجهة التنمّر في المدارس. لم يحارب المتنمّرين مباشرة، بل فعل شيئًا أذكى. حوّل بقية الطلاب إلى ما يشبه الكشّافة، وقال لهم: أنتم عيون المدرسة، من رأى تنمّرًا فليخبر. استخدم علم النفس نفسه، لكنه وجّهه نحو حماية طفل، لا نحو بيع علبة.
انخفضت نسبة التنمّر. والأهم أنه صنع جيلًا يتكلّم حين يرى الخطأ، بدل أن يصمت. الأداة التي تبيعك بطاطس هي نفسها التي تحمي طفلًا في ساحة مدرسة. لم تتغيّر الأداة، بل تغيّر من يمسكها وإلى أين وجّهها.
هنا يصبح كلام أحمد أوضح. التسويق في نظره ليس أن تبيع، فالبيع نتيجة. التسويق أن تفهم كيف يقرّر الإنسان، فتستطيع أن تغيّر سلوكه. وهذه ليست مهارة للمسوّقين وحدهم.
يذكّرنا أحمد أن أغلب مشاكل العالم، في أصلها، مشاكل تواصل. الطبيب الذي لا يقنع مريضه بخطة العلاج يفشل حتى لو كان تشخيصه صحيحًا. لأن نصف العلاج أن يقتنع المريض ويلتزم. فهم الإنسان ليس ترفًا لمن يبيع، إنه أداة لكل من يريد أن يوصل شيئًا لأحد.
ولهذا يقول جملة تزعج كثيرين في مجاله: أنا ضدّ الإبداع. لا يقصد أنه يكره الجمال، بل يقصد أن الصورة الجميلة التي لا تحرّك أحدًا ليست إبداعًا مهما كانت جميلة. العميل يأتي ويطلب شيئًا "إبداعيًا"، لكن نهاية كل ذوق رقم: وصول، تفاعل، مبيعات، ولاء. والجمال الذي لا يصل إلى رقم مجرد زينة.
وهذا يفسّر أيضًا لماذا تشتعل مطاعم ومقاهٍ فجأة، ثم يهجرها الناس بعد شهور. كثير منها قدّم خدمة لطيفة وموجة حديث سريعة، لكنه لم يبنِ علامة حقيقية. عاش الناس التجربة، ثم ملّوا، ثم رحلوا. لأن من يعرف كيف يبيع مرة، لا يعرف بالضرورة كيف يبقى في القلب.
عد الآن إلى السوق نفسه، وستجد فيه نوعين من الناس. واحد يعرف أن الإعلان يعمل، فيشتري. وآخر يعرف كيف يعمل الإعلان، فيختار متى يشتري ومتى يبتسم ويمضي. الأول يملك السوق حوله، والثاني يملك نفسه داخله.
والأمر نفسه يصدق على من يبني، لا على من يشتري فقط. من فهم الإنسان يستطيع أن يصنع جذبًا يدوم دقيقة، أو يبني مكانة تدوم سنوات. الرائحة تصلح للأولى. أما الثانية فلا تُصنع في مختبر.
ما يُصنع برائحة، يزول برائحة. وما يُبنى بفهم الإنسان، يبقى.
في المرة القادمة، سيمرّ سلمان بالممر نفسه، وقد تأتيه الرائحة نفسها. ربما يشعر بالجوع من جديد، فالأنف لا يتعلّم بسهولة. لكن شيئًا واحدًا سيكون قد تغيّر. سيعرف، ولو للحظة، أن الرائحة صُنعت، وأن أحدًا ما أرادها أن تجذبه. وحين ترى الخيط، تصير حرًّا في أن تمشي معه أو تقطعه.
الذكاء أن تشمّ الرائحة. والدهاء أن تسأل: هل بُني هذا ليبقى، أم صُنع ليُنسى؟
لمشاهدة الحلقة كاملة
التعليقات