في ليلة باردة من ليالي نجد، قبل أكثر من قرن، اجتمع رجال حول النار. القهوة تدور ببطء، والوجوه نصفها في الضوء ونصفها في الظل، والحديث خفيض. ثم قام رجل واحد ووقف. لم يكن أميرًا، ولا تاجرًا، ولا صاحب إبل كثيرة. كان شاعرًا.
قال أبياتًا قليلة عن رجل من أهل تلك الديار. رجلٌ جاءه ضيف ذات ليلة، ففتح بابه وذبح وأكرم. أو ربما العكس: رجلٌ جاءه ضيف، فأغلق بابه وتظاهر أنه نائم. لا فرق الآن. المهم أن الأبيات قيلت، وأن لها وزنًا يبقى في الأذن، وقافيةً تسهل على اللسان.
قبل أن ينتهي الشتاء، كانت تلك الأبيات قد سافرت. من مجلس إلى مجلس. من بئر إلى بئر. من سوق إلى سوق. يحفظها رجل فيرويها لعشرة، ويحفظها العشرة فيروونها لمئة. والرجل الذي قيلت فيه الأبيات لم يكتب منها حرفًا واحدًا. ومع ذلك صار اسمه يعيش في قصيدة لم يؤلفها، ولن يستطيع أن يوقفها.
استيقظ في الصباح، ولم يملك بعيرًا أكثر مما نام عليه. لكنه صار أغنى، أو أفقر، بشيء آخر لا يُرى ولا يُلمس. صار له صيت.
وهنا يبدأ السؤال الأول الذي يستحق أن نتوقف عنده. في أرض بلا صحف، بلا سجلات، بلا أوراق تثبت من أنت، كيف كان الاسم يسافر؟ كيف عرف أهل قرية بعيدة رجلًا لم يروه في حياتهم، وحكموا عليه قبل أن يصافحوه؟
الجواب بسيط في ظاهره، عميق في أثره. القصيدة كانت هي الصحيفة. والشاعر كان هو المطبعة، والقاضي، والذاكرة، في آنٍ واحد. لم يكن هناك من يوثّق الأسماء سواه. فمن مدحه الشاعر ارتفع اسمه، ومن هجاه هبط. لم تكن مبالغة أن تقول إن رجلًا واحدًا يحمل في صدره سمعة عشرات الرجال.
انظر إلى الكلمة نفسها لحظة. "السمعة" تأتي من "يُسمَع". هي حرفيًا ما يُسمَع عنك. في زماننا صارت هذه استعارة لطيفة نمر عليها دون تفكير. أما في تلك الصحراء، فكانت حقيقة على وجهها. سمعتك كانت صوتًا فعلًا. وما الذي كان يعلو ويُسمَع ويُحفظ عبر مسافات لا تنتهي؟ بيت شعرٍ جميل. لا شيء آخر كان يسافر بهذه السرعة، ولا يعيش بهذا الطول.
ولأن الشاعر يملك الصوت، كان يملك شيئًا خطيرًا لا ينتبه له كثيرون. في لغتنا القديمة، "غنّى بفلان" تعني مدحه. وتعني في الوقت نفسه هجاه. الفعل واحد. الأداة واحدة. لكن النتيجة إما أن ترفعك فوق قومك، وإما أن تدفنك تحتهم. سيفٌ له حدّان، ويده على المقبض ليست يدك.
بيتان من المديح قد يصنعان رجلًا صغيرًا لا يعرفه أحد. وبيتان من الهجاء قد يهدمان رجلًا عظيمًا بناه أجداده. لهذا كان الأمير، وهو يملك الخيل والرجال والمال، يبقي الشاعر قريبًا منه ويحسن إليه. ليس حبًا في الشعر وحده. بل لأنه يعرف أن هذا الفقير الذي لا يملك إلا لسانه، يملك القناة التي تسير فيها الأسماء. من يفهم هذا يعرف أين تكمن القوة الحقيقية في المجلس. ليست عند صاحب أكبر قطيع. بل عند من يقرر ماذا سيُقال عن صاحب القطيع بعد أن يغادر.
كان الرجل في نجد يستطيع أن يصمد أمام غارة تأخذ إبله في ليلة واحدة. لكنه يعجز عن الصمود أمام بيتين من الهجاء يمشيان بين الناس عشرين سنة. الإبل تعود. القطيع يُعوَّض. الاسم إذا سقط لا يُشترى من السوق.
درس الباحث سعد الصويان هذا الشعر عمرًا كاملًا، وسمّى كتابه "ذائقة الشعب وسلطة النص". تأمل الكلمة الأخيرة: سلطة. للنص سلطة، لا مجرد جمال. قوةٌ تحرّك المكانة صعودًا ونزولًا، وتفعل بالأسماء ما تفعله الجيوش بالأرض. وهذا الشعر ليس طارئًا ولا حديثًا. هو وريث شعر العرب القديم، لسان القبيلة الذي ظل قرونًا يصنع الأسماء ويهدمها.
وأقدم ما وصلنا من شعر أهل نجد ليس قصيدة حربٍ ولا فخر. هو أبيات قالتها أمٌّ في ابنها الصغير، تمدحه وهو ما يزال يافعًا. أول ما استحق أن يُحفظ ويُروى ويصل إلينا عبر القرون، كان أمًّا تبني اسمًا لولدها بالكلمات وحدها. كأن صناعة الاسم كانت أول شيء رأى الناس أنه يستحق أن يُقال.
والآن نصل إلى المفارقة التي يختبئ فيها المقال كله. الرجل الذي يريد اسمًا حسنًا، لا يستطيع أن يصنعه بيده. يستطيع أن يشتري الأرض. يستطيع أن يجمع الذهب حتى يثقل. يستطيع أن يبني بيتًا يراه المسافر من بعيد. لكنه لا يستطيع أن يملك سمعته. السمعة في يد من يحملها، لا في يد صاحبها. أنت لست مؤلف اسمك. أنت موضوعه فقط.
ثم تأتي عبارة يعرفها كل بيت في الجزيرة: "الصيت ولا الغنى". ولوهلة تبدو غريبة. لماذا تفضّل صحراء قاسية فقيرة الاسمَ على الذهب، والذهب هو الذي يشتري الطعام والماء والسلاح؟ الجواب في طبيعة المكان نفسه. الذهب يمكن أن يُنهب في ليلة. القطيع يمكن أن يُساق بعيدًا في غفلة. البيت يمكن أن يُحرق. لكن الاسم، حين يدخل قصيدة ويمشي على ألسنة الناس، يصعب جدًا أن يُسرق. كان الصيت هو الثروة الوحيدة التي لا تؤخذ بالقوة. تُكسب بالفعل، وتُفقد بالفعل، ولا تنتقل إلا بإذن صاحبها الحقيقي: التاريخ.
لكن إذا كان الناس هم من يصنعون اسمك، فما الذي تملكه أنت من سمعتك؟
دع السؤال يعيش لحظة قبل أن نجيب. ثم عد معي إلى الشاعر واقفًا في المجلس، والنار بينه وبين الرجال. هو لم يخترع الرجل من العدم. الرجل الكريم استحق المديح لأنه فتح بابه ليلة الضيف. والرجل الذي أغلق بابه استحق الهجاء لأنه أغلقه. الشاعر لم يصنع السمعة. الشاعر حملها فقط. رأى ما حدث بعينه، أو سمعه ممن حضر، ثم رفع صوته به حتى سمعته الديار كلها.
فالذي كان يملكه الرجل لم يكن القصيدة يومًا. القصيدة بيد الشاعر، والرواية بيد الناس. الذي كان يملكه هو الفعل الذي ستتذكره القصيدة. اللحظة التي فتح فيها بابه أو أغلقه. الوعد الذي وفى به أو نكثه. الموقف الذي وقفه حين كان الناس ينظرون، وأهمّ من ذلك، حين لا ينظرون.
السمعة لا يكتبها صاحبها، بل من رآه.
عد الآن إلى تلك الليلة الباردة. الشاعر يقف، والنار تشتعل، والقهوة تدور من يد إلى يد. الرجل الذي ستُقال فيه الأبيات، ظنناه في البداية ينتظر حكم الشاعر، كأن مصيره يُكتب أمامنا في هذه اللحظة. لكن الحقيقة أنه كتب قصيدته قبل سنوات، في يومٍ عادي لم ينتبه أحد إلى أهميته. كتبها يوم استقبل ضيفًا، أو ردّه عن بابه. الشاعر لم يفعل شيئًا سوى أنه قرأ ما كُتب من قبل، بصوتٍ عالٍ.
واليوم؟ تغيّر المجلس فصار شاشة. وتغيّر الشاعر فصار خوارزمية، ومنشوراً، وتقييمًا بنجمة أو نجمتين، وألف هاتف في ألف يد. صار البيت الشعري مقطعًا قصيرًا، أو تعليقًا عابرًا يكتبه شخص لن تعرف اسمه أبدًا. لبست الآلة ثوبًا جديدًا لامعًا. لكن القاعدة تحت الثوب قديمة قِدم الصحراء. اسمك ما زال يسافر في أفواه غيرك، بلا استئذان. ما زلت لا تملكه. وما زلت تملك الفعل وحده، ولا شيء غيره.
هنا يهمس دهاء بوعده: لا تظهر أكثر، ابنِ أعمق. الظهور يصنع صوتًا يمرّ ثم ينطفئ. الفعل يصنع اسمًا يُقال بعدك. أهل نجد فهموا هذا قبل أن نولد بقرون، وهم لا يملكون منصةً ولا متابعين. لم يكونوا يطاردون الصورة التي تظهر عنهم. كانوا مشغولين ببناء ما ستقوله الصورة حين تظهر. ولهذا، حين تدخل غرفةً اليوم، تذكّر أن شيئًا دخل قبلك بلحظات: حتى الآن، يدخل اسمك الغرفة قبلك، ولم تكن أنت يومًا من يحمله.