الهدف الذي غيّر كل شيء في أسبوع
في الدقيقة التاسعة والثمانين، ارتفعت الكرة عالية فوق منطقة الجزاء. قفز فيصل، الجناح ذو الواحد والعشرين عامًا، وضربها بمقصية لم يكن يعرف هو نفسه أنه يستطيعها. سكن المدرج لثانية كاملة، ثم انفجر.
في تلك الليلة كان في حسابه ثلاثون ألف متابع. بعد أربعة أيام صاروا ستمئة ألف. كان المقطع في كل مكان، على الشاشات، وفي مجموعات العائلة، وفي حلقات البرامج الرياضية التي أعادته بالتصوير البطيء من أربع زوايا.
ثم بدأ الهاتف يرن. متجر ملابس رياضية يريد صورة. مشروب طاقة يريد إعلانًا. معرض سيارات يريد حضوره في افتتاح فرع جديد. وبودكاست يريد أن يسأله: "كيف شعرت؟"
قال نعم لكل شيء تقريبًا. لم يكن ذلك غرورًا. كان يظن، مثل أغلبنا، أن هذا هو ما تبدو عليه السمعة حين تأتي.
الضوء الذي يأتي مستعارًا
بعد ستة أشهر، كان فيصل على مقاعد البدلاء. لم يحدث شيء درامي. انخفض مستواه قليلًا، وتغيّر المدرب، وجاء لاعب أجنبي في مركزه. هذا يحدث في كرة القدم كل أسبوع.
لكن شيئًا آخر حدث بعد مباراة خسرها الفريق. خرج فيصل غاضبًا من الملعب، ومرّ بجانب طفل يحمل قميصه ويمد يده بقلم. لم يتوقف. صوّر أحدهم اللحظة، وخلال يومين صار للمقطع الجديد جمهور أكبر من جمهور المقصية.
لم يُجدِّد متجر الملابس العقد. ومشروب الطاقة وجد وجهًا آخر. والبودكاست الذي سأله "كيف شعرت؟" لم يعد يسأله شيئًا. وفي ليلة هادئة، أمسك فيصل هاتفه، وأدرك أنه لم يرن منذ أسبوعين.
ما حدث لفيصل ليس قسوة من الجمهور. الجمهور لم يغيّر رأيه فيه، لأنه لم يكن يملك رأيًا فيه أصلًا. كان يملك مقطعًا. والمقطع يُنسى حين يأتي مقطع أحدث.
إذا كان الهدف يصنع الاسم في دقيقة، فما الذي يجعله يعيش بعد أن ينسى الناس الهدف؟
الرجل الذي خسر الحزام وربح الاسم
في أبريل ١٩٦٧، دخل ملاكم شاب مكتب التجنيد في مدينة هيوستن الأمريكية. كان بطل العالم في الوزن الثقيل، وفي الخامسة والعشرين، أي في أجمل سنوات أي ملاكم. نادوا اسمه ليتقدم خطوة إلى الأمام كما يفعل المجندون. لم يتقدم.
كان اسمه محمد علي، ورفض الخدمة في حرب فيتنام بسبب قناعته الدينية. العقوبة كانت سريعة. سُحب منه اللقب، وأُوقفت رخصته، وابتعد عن الحلبة ما يقارب ثلاث سنوات ونصفًا. خسر الأحزمة، وخسر المال، وخسر السنوات التي لا تعود في حياة رياضي.
بمقياس النتائج، كان ذلك انهيارًا كاملًا. لكن شيئًا غريبًا حدث. انقسم الناس حوله بشدة في البداية، ثم بدأت الصورة تتغير ببطء. لم يعد يُرى كملاكم فقط، بل كرجل دفع ثمنًا حقيقيًا لشيء يؤمن به.
وبعد تسعة وعشرين عامًا، في افتتاح الألعاب الأولمبية في أتلانتا، ظهر رجل بيدين ترتجفان يحمل الشعلة. وقف العالم كله يصفق. لم يكن التصفيق لضربة قاضية أو لبطولة. كان لشيء لا يُسجَّل في لوحة النتائج.
المفارقة هنا أن أهم لحظة في سمعة محمد علي لم تحدث داخل الحلبة. حدثت في غرفة مكتب، في لحظة رفض، والكاميرات بعيدة. خسر فيها كل ما يمنحه الفوز، وربح شيئًا لا يمنحه الفوز أبدًا.
زجاجتان على طاولة المؤتمر
في صيف ٢٠٢١، جلس كريستيانو رونالدو في مؤتمر صحفي خلال بطولة أمم أوروبا. أمامه على الطاولة زجاجتا مشروب غازي من راعي البطولة. أزاحهما جانبًا بهدوء، ورفع زجاجة ماء، وقال كلمة واحدة بالبرتغالية تعني "ماء".
استغرق المشهد ثواني. لكن تقارير كثيرة ربطته بتراجع القيمة السوقية للشركة في ذلك اليوم بمليارات الدولارات. جادل آخرون بأن السوق كان يتحرك لأسباب أخرى، وقد يكونون محقين. لكن مجرد أن العالم صدّق الربط يقول شيئًا مهمًا.
الشركة دفعت ملايين لتضع اسمها أمام اللاعب. واللاعب احتاج حركة يد واحدة ليبعده. في تلك اللحظة، لم يكن الراعي هو من يمنح اللاعب قيمة. كان اللاعب هو من يقرر ماذا يستحق أن يقف بجانبه.
وهذا لم يأتِ من الأهداف وحدها. هناك لاعبون سجلوا كثيرًا ولا أحد ينتظر رأيهم في زجاجة. ما صنع وزن تلك الحركة كان عشرين عامًا من صورة ثابتة: رجل يتمرن أكثر من غيره، ويعتني بجسده، ويعيش كما يقول. حين أزاح الزجاجتين، صدّقه الناس لأنهم رأوا القصة كاملة قبلها.
ما يحدث حين لا يسجل أحد
لنعد إلى فريق فيصل. كان فيه لاعب اسمه سلمان، لاعب وسط دفاعي لا يصوّره أحد. لا يسجل تقريبًا. ولا يظهر في ملخصات المباريات إلا حين يرتكب خطأ.
لكن سلمان كان يزور أكاديمية النادي كل خميس. لا يعلن ذلك، ولا ينشر صورة. يجلس مع الأطفال بعد التمرين، ويعرف أسماءهم. وحين يخسر الفريق، كان آخر من يغادر الملعب، لأنه يمر على السياج ويوقّع لكل من ينتظر.
في الموسم التالي، أُصيب سلمان إصابة أبعدته أشهرًا. في المباراة الأولى بعد الإصابة، رفع المدرج لافتة ضخمة باسمه. لم يطلبها أحد. لم تنظمها إدارة النادي. صنعها أطفال كبروا وهم يعرفون أن هذا الرجل كان يتذكر أسماءهم.
وهنا يظهر الفرق الذي يغيب عن معظمنا حين نتحدث عن السمعة في الرياضة. النتيجة تُصنع في تسعين دقيقة، أمام الجميع. أما السمعة فتُصنع في الساعات الأخرى من الأسبوع، في الأماكن التي لا تصلها الكاميرا.
والأمر نفسه ينطبق على الأندية. هناك نادٍ يملك خزانة بطولات، ويهجره جمهوره في أول موسم سيئ. وهناك نادٍ يهبط إلى درجة أدنى، فيمتلئ مدرجه أكثر. الأول بنى علاقة مع الانتصار. والثاني بنى علاقة مع الناس.
النتيجة تستأجر لك الضوء، والسمعة هي ما يبقى حين يُطفأ.
العودة إلى المقصية
في إحدى الليالي، فتح فيصل مقطع هدفه القديم. شاهده كما شاهده مئات المرات من قبل. لكنه هذه المرة لم ينظر إلى نفسه وهو يطير في الهواء.
نظر إلى أسفل الشاشة. إلى اللاعب الذي أرسل تلك الكرة العالية من الجهة اليسرى، ثم ركض ليحتفل به قبل الجميع. كان سلمان. شاهد المقطع ستمئة ألف شخص، ولم يلاحظه أحد تقريبًا. ولا حتى فيصل نفسه.
يوم الخميس التالي، ذهب فيصل إلى الأكاديمية. لم يخبر أحدًا، ولم يأخذ هاتفه من جيبه. جلس مع الأطفال بعد التمرين، وسأل صبيًا صغيرًا عن اسمه، ثم حاول أن يتذكره.
لم يصوّره أحد هذه المرة، وكانت تلك أول مرة يبدأ فيها اسمه بالبناء فعلًا.
التعليقات