حين ظنّت أن الصوت العالي يكفي
في الشهر الثالث بعد افتتاح متجرها، جلست سارة أمام الحاسوب وفتحت لوحة الإعلانات. كانت الأرقام جميلة. مئة وعشرون ألف مشاهدة في أسبوع واحد، وأربعة آلاف متابع جديد، وتعليقات كثيرة تحت صورة علبة العطر الذهبية.
دفعت في ذلك الأسبوع ما يكفي لإيجار المتجر شهرين. تعاونت مع ثلاث مشهورات، وأطلقت خصماً بمناسبة لم تعد تتذكر اسمها. وكانت كل ليلة تنام وهي تحدّث الصفحة، مثل طالب ينتظر نتيجة الامتحان.
ثم جاء آخر الشهر. المبيعات ارتفعت فعلًا، لكنها ارتفعت في الأيام التي كان الإعلان يعمل فيها فقط. وحين توقف الإعلان، عاد المتجر هادئًا، كأن شيئًا لم يحدث.
لم تكن سارة مخطئة تمامًا. كانت تفعل ما تعلّمه أغلبنا عن التسويق: أن تُرى أكثر، وأن ترفع صوتك قبل أن يرفعه غيرك، وأن تقيس النجاح بعدد العيون التي مرّت عليك. وكان هذا يبدو منطقيًا جدًا، إلى أن رأت الطابور.
الطابور الذي لا يظهر في الإحصاءات
في آخر الشارع نفسه محمصة قهوة صغيرة، يملكها رجل يسمّيه الجميع أبو فهد. لا حساب له في إنستغرام، ولوحته باهتة من الشمس، وآخر مرة تغيّر فيها ترتيب الرفوف كانت على الأرجح قبل أن تولد سارة. ومع ذلك، كان أمام محلّه طابور كل خميس.
دخلت سارة المحمصة ذات مساء بحجة شراء الهيل. وقفت خلف رجل يطلب "الخلطة نفسها اللي كان ياخذها أبوي". وسمعت أبا فهد يسأل امرأة عن ابنها الذي سافر للدراسة، ثم يضع في كيسها حفنة قهوة زائدة دون أن يقول شيئًا.
لم يكن هناك خصم، ولا عرض لفترة محدودة، ولا أحد يصوّر. سألته وهي تدفع: "ليش ما تسوي إعلانات؟" فضحك وقال إنه لا يعرف كيف، ثم أضاف وهو يلفّ الكيس: "الناس يجيبون الناس."
خرجت سارة وهي تحمل هيلًا لا تحتاجه، وفكرة لم تتوقعها. هي تدفع كل أسبوع لتصل إلى مئة ألف شخص لا يتذكرونها. وهو لا يدفع شيئًا، وزبائنه يعرفون طريقهم إليه وحدهم، ويأتون ومعهم زبائن جدد.
إذا كان أي أحد يستطيع أن يدفع ليُرى، فما الذي يجعل أحدًا يستحق أن يُتذكّر؟
رجلان باعا الإطارات بدليل للمطاعم
هذا السؤال أقدم من إنستغرام بكثير. في فرنسا سنة ١٩٠٠، كان أخوان اسمهما أندريه وإدوار ميشلان يبيعان إطارات السيارات. وكانت مشكلتهما بسيطة ومزعجة: السيارات قليلة، وأصحابها لا يسافرون بعيداً، والإطار الذي لا يسير لا يتلف، والإطار الذي لا يتلف لا يحتاج إلى بديل.
كان يمكنهما أن ينشرا إعلانًا كبيرًا يقول إن إطاراتهما هي الأفضل. لكنهما فعلا شيئًا أغرب. طبعا كتيّبًا صغيرًا يوزَّع مجانًا، فيه خرائط، وأماكن محطات الوقود، وورش التصليح، والفنادق والمطاعم على الطريق.
لم يكن الكتيّب يتحدث عن الإطارات تقريباً. كان يتحدث عن سبب للخروج من البيت. وكلما خرج الناس أكثر، سافرت الإطارات أكثر، وتعبت أكثر، وعاد أصحابها ليشتروا غيرها.
وتقول الحكاية إن أندريه دخل يومًا ورشة تصليح، فوجد نسخًا من الدليل تُستخدم لرفع طاولة عمل. غضب، وقرر أن الناس لا يحترمون ما يأخذونه مجانًا، فصار الدليل يُباع بثمن. ثم ظهرت النجوم التي تُمنح للمطاعم. واليوم، بعد أكثر من قرن، يبكي طهاة كبار حين يحصلون على نجمة، وقليل منهم يتذكر أنها بدأت من شركة إطارات.
ميشلان لم تطلب من الناس أن ينظروا إليها. أعطتهم شيئًا يستحق أن يحملوه معهم. وهكذا صار اسمها يسافر في درج السيارة، ويُذكر على موائد لم يجلس عليها أحد من العائلة.
الصوت الذي يضيع حين يصرخ الجميع
في الماضي، كان الظهور صعبًا، ولهذا كان ثمينًا. من يستطيع أن يضع اسمه في جريدة أو على لوحة في الطريق كان يملك شيئًا لا يملكه غيره. أما اليوم، فيستطيع أي شخص أن يشتري مئة ألف مشاهدة قبل أن تبرد قهوته.
وهنا تحدث المفارقة. كلما صار الانتباه أرخص، صارت الذاكرة أغلى. الإعلان يستأجر لك مكانًا في عيون الناس لساعات، ثم ينتهي العقد. والسمعة تعطيك مكانًا في أحاديثهم، ولا تحتاج إلى تجديد كل أسبوع.
فلماذا نركض خلف الأرقام إذا كانت بهذا الضعف؟ لأنها تظهر بسرعة، ويمكن عدّها، وتعطينا شعورًا بأننا نفعل شيئًا. أما السمعة فبطيئة وخفية. ولا توجد لوحة تحكم تخبرك أن امرأة ذكرت اسمك في عشاء عائلي مساء الجمعة.
سارة لم يكن ينقصها المال ولا الجهد. كانت تقيس الشيء الخطأ. كانت تسأل كم شخصًا رآها، ولم تسأل كم شخصًا تحدّث عنها.
الاسم الذي يسافر وحده
ما يفعله أبو فهد وما فعله الأخوان ميشلان يبدو مختلفًا من الخارج. رجل في محمصة صغيرة، وشركة في فرنسا قبل قرن. لكن الحركة واحدة. كلاهما لم يتحدث عن نفسه كثيرًا، بل صنع شيئًا يجعل الآخرين يتحدثون عنه.
حفنة القهوة الزائدة ليست كرمًا فقط. إنها حكاية صغيرة تخرج مع الزبونة من الباب، وتصل إلى جارتها قبل أن تصل القهوة إلى الفنجان. والسؤال عن الابن المسافر ليس مجاملة. إنه سبب يجعل المرأة تشعر أن هذا المكان يعرفها، والناس يعودون إلى الأماكن التي تعرفهم.
الذكاء أن تجعل الناس يرونك. والدهاء أن تجعلهم يتحدثون عنك وأنت غائب.
هذا لا يعني أن الإعلان عدوّ. الإعلان مكبّر صوت، يضخّم ما هو موجود. فإذا كان هناك شيء يستحق أن يُقال، أوصله إلى أبعد. وإذا لم يكن هناك شيء، فهو يضخّم الصمت، ويدفع صاحبه ثمنه كل أسبوع.
العودة إلى المحمصة
في الشهر التالي، لم تُلغِ سارة إعلاناتها. لكنها خفّضتها إلى النصف، ووضعت الفرق في أشياء صغيرة لا تظهر في لوحة التحكم. بطاقة مكتوبة بخط يدها مع كل طلب. عيّنة صغيرة من عطر لم يُطلق بعد. ورسالة لزبونة اشترت هدية لأمها، تسألها إن كانت الأم أحبّتها.
صارت الأرقام على الشاشة أصغر، وصار ذلك يقلقها في البداية. ثم دخلت امرأة ذات صباح وقالت إن صديقتها أرسلتها، وسمّت العطر الذي تريده قبل أن ترى الرفوف. ابتسمت سارة، لأنها عرفت أن هذه الجملة لن تظهر في أي تقرير، وأنها أهم من كل ما في التقرير.
في المساء، مرّت بالمحمصة في آخر الشارع. كان أبو فهد يلفّ كيسًا آخر، ويضع فيه حفنة زائدة، ولا يعرف أنه علّم جارته أهم درس في التسويق.
بعض الأسماء تُعلَن، وبعضها يُروى.
التعليقات