في ليلة باردة في نجد، قبل أكثر من قرنين، امتلأ المجلس بالرجال.

النار في الوسط. القهوة تدور. الحديث خافت.

ثم صمت الجميع دفعة واحدة.

لأن الشاعر بدأ.

في زاوية المجلس جلس رجل لا نعرف اسمه اليوم. لنسمّه صاحب المال. كان قد جمع إبلًا وأرضًا وعلاقات. كان يملك تقريبًا كل ما يملكه الرجل القوي في زمانه.

لكنه في تلك اللحظة كان يملك شيئًا واحدًا لا أكثر. خوفًا صغيرًا في صدره.

لأنه يعرف قاعدة زمانه جيدًا.

ما سيقوله الشاعر الليلة لن يبقى في هذا المجلس.

بحلول الصباح سيكون في القرية المجاورة. وبعد شهر في مجالس بعيدة لم يزرها الرجل في حياته. وبعد سنوات ربما يردده أطفال لم يولدوا بعد.

الشاعر لم يكن يحمل سيفًا.

كان يحمل شيئًا أخطر. كان يحمل الكلمة التي تسافر.


لنتوقف هنا قليلًا.

نحن نظن أن الإعلام اختراع حديث. شاشات، وصحف، وحسابات، وأرقام متابعين.

لكن نجد كان فيها إعلام قبل أن تُطبع أول صحيفة في العالم العربي.

كان اسمه الشاعر.

قالوا قديمًا إن الشاعر لسان القبيلة. وهذا ليس وصفًا جميلًا فقط. كان توصيفًا دقيقًا لوظيفة حقيقية. الشاعر هو الذي يتكلم باسم الجماعة. هو الذي يرفع رجلًا أو يخفضه. هو الذي يحدد من يُذكر ومن يُنسى.

وكان معه شبكة توزيع كاملة.

اسمها الراوي.

لم تكن هناك مطابع. ولا بريد. ولا من يعيد النشر بضغطة زر. ومع ذلك كانت القصيدة تعبر الصحراء من مجلس إلى مجلس، محمولة في الذاكرة وحدها. رجل يحفظها، فيلقيها على رجل آخر، فيحفظها ويحملها إلى مكان أبعد.

بلا ورق. وبلا سلك.

ومع ذلك تصل.


في ذلك العالم كانت للكلمة قوتان.

القوة الأولى ترفع. اسمها المدح.

بيت شعر جيد عن رجل كان يعادل شيئًا لا يُشترى بالمال. كان يقول للناس إن هذا الرجل يستحق أن يُذكر. أن مجلسه كريم. أن يده مفتوحة. أن كلمته لا تُخلف.

والقوة الثانية تهدم. اسمها الهجاء.

وهذه كان الناس يخافونها أكثر من أي شيء.

لأن الرجل قد يكسب معركة، ثم يخسر اسمه ببيت واحد.

قد يملك المال والرجال والسلاح، ثم يأتي شاعر ويعلّق على عيب فيه، أو موقف بخل، أو لحظة جبن. فيلتصق ذلك به. لا لسنة. بل لأجيال.

جرّب أن تمحو قصيدة انتشرت في الصدور.

لا تستطيع.

هنا كان الفرق الكبير بين ذلك العالم وعالمنا. اليوم نكتب شيئًا ثم نحذفه، فيختفي. أما هناك فالكلمة حين تخرج، تخرج نهائيًا. تصبح ملكًا للناس. تعيش حيث لا يصل صاحب العيب ولا صاحب المال.

كان في نجد شاعر اسمه حميدان الشويعر. عاش قبل نحو ثلاثة قرون. اشتهر بالحكمة، واشتهر أكثر بلسانه الحاد.

قال في الناس وفي عيوبهم كلامًا لا يزال يُروى حتى اليوم.

فكّر في هذا للحظة.

رجل قال كلمات قبل ثلاثمئة سنة. وما زالت تلك الكلمات تعيش، بينما نُسي معظم الأغنياء والوجهاء الذين عاشوا في زمنه.

من الذي بقي؟ ليس الأقوى. بل من ملك الكلمة.


وهنا يظهر السؤال الحقيقي.

إن كان الرجل يملك المال والأرض والإبل، فلماذا لا يملك اسمه؟

من كان يملك سمعتك فعلًا في ذلك الزمان؟

الجواب صعب، لكنه واضح.

لم يكن الرجل يملك سمعته.

كانت السمعة تعيش خارجه. في أفواه الناس. في ذاكرة الراوي. في اختيار الشاعر أن يذكره أو يتجاهله.

هو يملك ما في يده. أما اسمه فيملكه من يتحدث عنه حين يغيب.

ولهذا كان الأمير نفسه يحتاج الشاعر.

قد تظن أن القوي لا يحتاج أحدًا. لكن الحاكم في ذلك العالم كان يعرف شيئًا دقيقًا. أن السلطة وحدها لا تكفي. أنت تحكم اليوم بالقوة. لكن من يقول للناس إنك تستحق أن تُحكم؟ من يجعل حكمك يبدو حقًا لا مجرد غلبة؟

القصيدة كانت تفعل ذلك.

المدح في الحاكم لم يكن زينة. كان شهادة. كان يقول للجميع إن لهذا الرجل مكانة، وإن اسمه فوق أسماء غيره.

ولهذا كان الأمير يقرّب الشعراء. يكرمهم. يخاف من غضبهم. لأنه يعرف أن الذي يصنع الصيت يستطيع أن يهدمه.

من يملك السيف يأخذ حياتك. ومن يملك الكلمة يأخذ اسمك.

والاسم يعيش بعد الحياة.


الآن ننتبه إلى المفارقة.

نحن نتعامل مع السمعة وكأنها بيت نبنيه بأيدينا ونملكه. نظن أننا نصنع اسمنا كما نصنع ثروتنا.

لكن حكاية ذلك المجلس تقول العكس.

سمعتك ليست في يدك. سمعتك في أفواه الآخرين.

صاحب المال الذي كان يرتجف في زاوية المجلس، كان يملك من اسمه أقل مما يملكه الشاعر الفقير الجالس أمامه. الشاعر لا يملك إبلًا. لكنه يملك القدرة على أن يجعل الناس يذكرون هذا الرجل بخير، أو يذكرونه بسوء، أو لا يذكرونه أبدًا.

وهذه أثمن من الإبل.

من هنا يخرج قانون بسيط، لكنه لم يكن واضحًا في البداية:

السمعة لا تُملك. تُمنح. ومن يمنحها يستطيع أن يسحبها.

هذا هو السر الذي كان يعرفه أهل ذلك الزمان في أعماقهم. الرجل الحصيف لم يكن يجمع المال فقط. كان يجمع أسبابًا تجعل الناس يتكلمون عنه بخير حين يغيب. كرم. وفاء. حماية للضعيف. موقف يُروى.

كان يبني ما يُقال عنه، لا ما يقوله عن نفسه.

لأنه يعرف أن ما يقوله الإنسان عن نفسه لا وزن له. الوزن كله لما يقوله الناس عنه بعد أن يخرج من المجلس.


لنعد الآن إلى تلك الليلة الباردة.

الرجل في الزاوية. النار في الوسط. الشاعر يبدأ.

لكننا الآن نراه بطريقة مختلفة.

لم يكن خائفًا لأن الشاعر قوي. كان خائفًا لأنه فهم شيئًا نسيناه نحن. أن اسمه لم يكن يومًا في يده. وأن هذه الليلة قد تقرر كيف يُذكر بعد أن يموت.

ربما مدحه الشاعر تلك الليلة. وربما تجاهله. لا نعرف.

لكن الدرس ليس في ما حدث للرجل.

الدرس في القاعدة التي كان يعيش داخلها دون أن يسمّيها.


والآن، تأمل معي.

قد تظن أن ذلك العالم انتهى. لا مجالس، ولا رواة، ولا شاعر واحد يملك مفتاح السمعة.

اليوم المجلس في كل مكان. كل شخص يستطيع أن يتكلم. كل شخص يملك منصة. وصار بإمكان الجميع أن يمدحوا أنفسهم بأي عدد من الكلمات، في أي وقت، وبأدوات تنتج الكلام بلا توقف.

يبدو هذا عكس ذلك العالم تمامًا. هناك كان شاعر واحد يملك القوة. هنا يملكها الجميع.

لكن انظر مرة أخرى.

حين يستطيع الجميع أن يمدحوا، يصبح المديح رخيصًا. وحين تصبح الكلمات بلا حدود، يصبح لها وزن أخف. الرجل الذي يمدح نفسه اليوم لا يختلف كثيرًا عن الرجل الذي كان يمدح نفسه في المجلس القديم. الناس يبتسمون، ثم لا يصدقون.

فتعود القاعدة القديمة بهدوء.

اسمك ما زال يُصنع بما يقوله عنك من تثق بهم الناس، حين لا تكون في الغرفة. لا بما تبثه أنت عن نفسك.

كثرة الكلام لم تلغِ القاعدة. جعلتها أوضح.

في زمن يستطيع فيه الجميع أن يتكلموا، يعود السؤال الذي كان يقلق ذلك الرجل في زاوية المجلس، سؤالًا لكل واحد منا اليوم:

من الذي يُصدّقه الناس حين يذكرونك؟

الذكاء أن تصنع صوتك. والدهاء أن تعرف من يحمله عنك حين تغيب.