الجدول الذي أربك نورة

صباح الأحد، وصل إلى بريد نورة ملف PDF من مديرها. كانت الرسالة قصيرة كعادته: "اطّلعي عليه، ونتكلم الأربعاء." نورة تعمل في إدارة الاتصال بجهة حكومية منذ ست سنوات، وتعرف أن "نتكلم الأربعاء" تعني أن شيئًا ما سيتغير.

فتحت الملف مع فنجان القهوة الأول. الغلاف أزرق فاتح، وعليه ملفات تطير في الهواء، وعنوان واضح: الدليل الإرشادي لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، من مركز التواصل الحكومي. قلّبت الصفحات بسرعة حتى وصلت إلى الصفحة الرابعة، وهناك توقفت.

كان أمامها جدول طويل. في العمود الأيمن مجالات العمل: البحث، والكتابة، والتصميم، والفيديو، والصوت، والعروض، والهوية. وفي العمود الأيسر أسماء أدوات، ثم أسماء أخرى، ثم صفحة ثانية كاملة من الأسماء.

عدّتها نورة بإصبعها على الشاشة، فتجاوزت الأربعين. كانت تعرف منها ست أدوات، وتستخدم فعليًا اثنتين فقط.

أغلقت الملف ونظرت إلى قهوتها التي بردت. لم تكن خائفة بالضبط. كانت تشعر بشيء أثقل من الخوف وأصعب في التسمية: أن المهنة التي تتقنها انتقلت إلى مكان آخر وهي نائمة.

أسماء لها تاريخ انتهاء

في تلك الليلة فعلت نورة ما يفعله أغلبنا. فتحت تبويبًا لكل أداة لا تعرفها، وبعد ساعة كان أمامها تسعة عشر تبويبًا وثلاثة حسابات تجريبية. ومع ذلك شعرت أنها لم تبدأ بعد.

لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهها وهي تقرأ الأسماء مرة ثانية. بعض الأدوات تحمل أرقامًا: Veo 3.1، وGPT Image 2، وNano Banana 2. والرقم في اسم الأداة اعتراف هادئ بأن هناك نسخة قبلها، ونسخة أخرى بعدها في الطريق.

حتى الدليل نفسه يعرف ذلك. ففي مقدمته يصف نفسه بأنه يعكس أفضل الممارسات "الحالية"، ويقول إن المجال يتطور باستمرار ويحتاج إلى متابعة وتحديث. بمعنى آخر، الجدول الذي أربك نورة صباحًا مكتوب بقلم رصاص.

وقد رأينا هذا من قبل. في منتصف التسعينيات كانت المكتبات تبيع كتبًا ورقية سميكة تجمع عناوين مواقع الإنترنت وتصنفها، كأنها دليل هاتف لعالم جديد. اشتراها الناس بحماس وحفظوا منها العناوين، ثم جاءت محركات البحث فصارت تلك الكتب زينة على الرفوف.

الذين حفظوا العناوين خسروا وقتهم. أما الذين فهموا أن الإنترنت مكان تبحث فيه، لا قائمة تحفظها، فقد ربحوا عقدين كاملين.

إذا كانت الأدوات ستتغير قبل أن نحفظ أسماءها، فما الذي يستحق أن نتعلمه من دليل كهذا؟

الصفحة التي لا تحمل اسم أداة

عادت نورة إلى الملف صباح الاثنين، لكنها هذه المرة تجاوزت الجدول عمدًا. أرادت أن تعرف ماذا يقول الدليل حين لا يعدّد. وفي القسم الثاني وجدت عنوانًا بدا كأنه كُتب لها: "هل يكفي أن تطلب؟ أم أن طريقة الطلب هي الأساس؟"

تحته ست خطوات لكتابة الطلب: أن تحدد الهدف، وتوضح السياق، وتعرف جمهورك، وتذكر متطلباتك، ثم تختار الأداة، ثم تراجع وتحسّن. قرأتها نورة مرتين، ثم ضحكت وحدها في المكتب.

هذه ليست خطوات للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. إنها الأسئلة نفسها التي كانت مديرتها الأولى تطرحها عليها قبل ست سنوات، حين كتبت أول بيان صحفي في حياتها: ماذا نريد؟ ولمن؟ وما الذي يحتاج القارئ أن يعرفه قبل أن يقتنع؟

ثم لاحظت شيئًا أغرب. اسم الأداة لا يظهر إلا في الخطوة الخامسة. أربع خطوات كاملة قبلها لا تحتاج برنامجًا ولا اشتراكًا ولا تحديثًا، بل تحتاج شيئًا واحدًا: أن يعرف الإنسان ماذا يريد.

حتى القوالب الجاهزة في الدليل تقول الشيء نفسه بطريقة أخرى. قالب منشور التطوع مثلًا يحدد الكاتب، والمنصة، والجمهور من الشباب، والأسلوب الرسمي المحفّز، والحد الأقصى ١٢٠ كلمة. كل كلمة في هذا القالب قرار اتخذه إنسان قبل أن يلمس الأداة.

وفي نهاية القسم مربع صغير كُتب عليه "تذكّر"، وفيه جملة واحدة: "أنت من يوجّه الأداة". مرت عليها نورة في المرة الأولى دون أن تراها. هذه المرة رأتها.

حين تطلب من الآلة أن تسألك

في الصفحة التالية وجدت نصيحة بدت غريبة في البداية، عنوانها "اعكس الأدوار". الفكرة بسيطة: إذا كانت المهمة غير واضحة، اطلب من الأداة أن تسألك أولًا، سؤالًا بعد سؤال، ثم تنفذ بناءً على إجاباتك.

جرّبتها نورة على منشور تؤجله منذ أسبوع، عن حملة توعية مرورية. سألتها الأداة أولًا عن الجمهور، ثم عن السلوك الذي تريد الحملة تغييره تحديدًا. وفي السؤال الثالث سألتها: ما الذي جربتموه من قبل ولم ينجح؟

عند هذا السؤال توقفت نورة عن الكتابة. لم تكن تعرف الإجابة. ولم يسأله أحد في الإدارة من قبل.

هنا المفارقة التي يخفيها الدليل في مربع جانبي صغير. أقوى أسلوب في كل هذه الأدوات ليس أن تعطيها أوامر أذكى، بل أن تتركها تكشف لك ما لم تفكر فيه. الآلة هنا لا تجيب بدلًا منك، بل تريك بدقة أين يبدأ عملك أنت.

كانت نورة تظن أن الأداة ستأخذ مكانها. فإذا بها تعيدها إلى أصعب جزء في مهنتها، الجزء الذي كانت تقفز فوقه كل مرة بحجة ضيق الوقت. ربما لم تكن المشكلة يومًا في سرعة الكتابة، بل في وضوح السؤال.

صوت ياسين لم يُستنسخ وحده

في آخر الدليل ثمانية عشر نموذجًا من أعمال حقيقية. صور وُسّعت أطرافها، ورسومات وُحّد أسلوبها، وأيقونات وعناوين، وهوية سمعية لسلسلة "المملكة في أسبوع" مستوحاة من ألحان النشيد الوطني. وتحت كل نموذج أسماء البرامج التي استُخدمت فيه، كأنها مكونات وصفة طبخ.

لكن نورة توقفت عند النموذج السادس عشر. تعليق صوتي وُلّد باستنساخ صوت المذيع ياسين اللحياني، ثم تأتي عبارة قصيرة: "بعد الحصول على موافقته". لا توجد أداة في الجدول كله تفعل هذا، ولا يوجد برنامج يرفع الهاتف ويستأذن.

وفي صفحة أخرى يشرح الدليل كيف صُنعت مادة "سيد البيد". الشخصيات والبيئة بأداة، والموسيقى بثانية، وصوت الشاعر بثالثة، وحركة المشاهد برابعة، والتجميع ببرنامج خامس. خمس أدوات لعمل واحد، ولم تقرر أي منها أن هذه الحكاية تستحق أن تُروى.

هذا ما يقصده الدليل حين يتحدث عن "الأنسنة"، وحين يضع بين مبادئه الثمانية الشفافية والخصوصية وتقييم الأثر قبل النشر. هذه ليست خطوات إضافية بعد انتهاء العمل. إنها العمل نفسه، والجزء الوحيد الذي لا يمكن تفويضه لأحد.

الأداة تعرف كيف تُنتج. والإنسان وحده يعرف ماذا يستحق أن يُنتج.

العودة إلى الجدول

جاء الأربعاء. دخلت نورة الاجتماع وفي يدها ورقة واحدة، وكان مديرها ينتظر قائمة بالأدوات التي ستتعلمها الإدارة هذا الربع.

قالت له إنها ستبدأ بثلاث أدوات فقط، وإن الباقي يستطيع الانتظار. ثم وضعت الورقة أمامه. لم يكن فيها اسم برنامج واحد، بل الأسئلة الأربعة التي تسبق الخطوة الخامسة، وسؤال الحملة المرورية الذي لم يستطع أحد في الغرفة الإجابة عنه.

نظر مديرها إلى الورقة طويلًا، ثم قال: "يبدو أن هذا أول دليل نكتبه نحن."

الجدول ما زال في الصفحة الرابعة، بأسمائه الأربعين وأرقامه التي ستتغير. لكن نورة لم تعد تراه قائمة بما فاتها، بل قائمة بما يمكن أن تستخدمه حين تعرف ماذا تريد. وحين أغلقت الملف هذه المرة، كانت القهوة ما زالت دافئة.

الذكاء أن تعرف أربعين أداة. والدهاء أن تعرف لماذا تحتاج ثلاثًا.