اليد التي تعرف ولا تتكلم
كان أبو سليمان يفتح مخبزه في حيّ قديم بالرياض قبل الفجر بساعة. يُشعل الفرن، ويضع دلّة القهوة على طرف الطاولة، ثم يغمس يديه في العجين. ثلاثون سنة وهو يفعل الشيء نفسه كل صباح.
لم يكن يزن كثيراً، ولم يكن ينظر إلى الساعة. كان يضغط العجين بإبهامه، ثم يرفعه قليلًا، ثم يقول: "لا، ليس بعد." وبعد دقائق يضغطه مرة أخرى ويبتسم. الآن جاهز.
قبل سنة قرّر ابنه سليمان أن يفتح فرعاً ثانياً. استأجر المحل، واشترى فرنًا جديدًا، ووظّف عاملين. ثم طلب من أبيه شيئاً بسيطاً: علّمهم.
وقف أبو سليمان أمام العاملين أسبوعاً كاملًا. كان يعيد الجملة نفسها كل يوم: "عندما تكون جاهزة، ستعرف." وكان العاملان يهزّان رأسيهما باحترام، ثم يُخرجان خبزاً قاسياً من الخارج وطريًّا أكثر من اللازم من الداخل.
لم يكن الأب يبخل بما يعرف. المشكلة أنه لم يكن يعرف كيف يقول ما يعرف. كانت الخبرة كلها في يديه، ولم يصل منها شيء إلى لسانه.
ابنٌ قرأ كل شيء ولم يلمس شيئاً
كان سليمان عكس أبيه تماماً. درس إدارة الأعمال، وقرأ عن المخابز الناجحة في العالم، وشاهد عنها ساعات من المقاطع. كان يعرف نسبة الماء إلى الدقيق في الخبز الفرنسي، لكنه لم يخبز في حياته رغيفًا واحدًا نجح.
وهكذا صار في المخبز رجلان. الأول يملك خبرة بلا كلمات. والثاني يملك كلمات بلا خبرة. وبينهما فرع جديد يخسر كل يوم.
في إحدى الليالي، بعد أن رمى العاملان صينية كاملة، جلس سليمان في سيارته أمام المحل وفتح هاتفه. لم يسأل الآلة عن وصفة، فعنده منها العشرات. سألها سؤالًا آخر: ما الذي يتغيّر في العجين حين يضغطه خبّاز خبير بإبهامه ثم يقول إنه جاهز؟
جاءت الإجابة عن شبكة صغيرة تتكوّن داخل العجين كلما عُجن وارتاح. إذا كانت ضعيفة، بقي أثر الإصبع مكانه. وإذا اكتملت، رجع العجين ببطء، مثل إسفنجة متعبة. وحرارة المكان ورطوبته تغيّران الوقت الذي تحتاجه هذه الشبكة لتكتمل.
في الصباح قرأ سليمان الإجابة على أبيه. سكت أبو سليمان قليلًا، ثم ضغط العجين ونظر إليه طويلًا. وقال: "هذا الذي كنت أنتظره كل صباح. لم أكن أعرف أن له اسمًا."
خبّاز في أوساكا وآلة لم تعرف اللمس
هذه ليست مشكلة أبي سليمان وحده. إنها من أقدم مشكلات البشر مع المعرفة.
في منتصف الثمانينيات، كانت شركة ماتسوشيتا اليابانية، التي نعرفها اليوم باسم باناسونيك، تحاول صنع آلة تخبز الخبز في البيت. كان المهندسون أذكياء، والآلة متقنة. لكن الخبز كان يخرج محروقًا من الخارج ونيئًا من الداخل. قاسوا كل شيء، وجرّبوا كل شيء، ولم يعرفوا أين الخطأ.
ثم فعلت مهندسة اسمها إكوكو تاناكا شيئًا لم يخطر لأحد. ذهبت إلى كبير الخبّازين في فندق معروف في أوساكا، ووقفت بجانبه أياماً تتعلّم منه. لم تسأله عن الأرقام، بل راقبت يديه. وبعد وقت طويل لاحظت شيئاً لم يذكره هو نفسه: كان يمدّ العجين ويلفّه بطريقة خاصة.
لم يكن الخبّاز يعرف أنه يفعل ذلك. كانت يداه تعرفان. حملت تاناكا هذه الحركة إلى المهندسين، فأضافوا إلى الآلة قطعاً صغيرة تقلّد لفّة يد الخبّاز. وحين نزلت الآلة إلى الأسواق، بيعت بأعداد فاجأت الشركة نفسها.
كان عند الخبّاز كل ما يلزم، لكنه لم يستطع أن يقوله. وكان عند المهندسين كل ما يلزم لصنع الآلة، لكنهم لم يعيشوا لحظة واحدة داخل المخبز. النجاح لم يأتِ من أحد الطرفين، بل من الشخص الذي عبر بينهما. ولهذا لخّص الفيلسوف مايكل بولاني الأمر بفكرة بسيطة: نحن نعرف أكثر بكثير مما نستطيع أن نحكي.
الفجوة التي لا نراها في أنفسنا
حين نتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتعلّم، نفكّر عادة في فجوة واحدة: ما نعرفه وما لا نعرفه. لا تعرف البرمجة، فتسأل الآلة. لا تعرف نظام العمل، فتسأل الآلة. هذه فجوة حقيقية، والآلة تسدّها بسرعة مدهشة.
لكن هناك فجوة أخرى نعيش معها كل يوم ولا ننتبه لها. كل واحد منا يحمل سنوات من التجارب لم يفهمها بعد. المديرة التي تعرف من الدقيقة الأولى أن المرشّح لن ينجح، ولا تعرف لماذا. التاجر الذي يشعر أن الصفقة سيئة قبل أن يقرأ العقد. الأم التي تعرف من صوت ابنها على الهاتف أن شيئًا حدث.
هذه ليست أوهامًا. إنها خبرة حقيقية تجمّعت ببطء، لكنها بقيت بلا أسماء، ولهذا بقيت حبيسة أصحابها. لا يستطيعون تعليمها، ولا تطويرها، ولا حتى الدفاع عنها حين يسألهم أحد: لماذا؟
وفي الجهة الأخرى تقف فجوة معاكسة. معلومات كثيرة جمعناها من الكتب والدورات والمقاطع، ولم نختبرها مرة واحدة. نعرف أن الاستماع مهم، ونقاطع الناس. نعرف قواعد الادخار، ونُفاجأ آخر كل شهر. المعلومة وصلت إلى العقل، ولم تصل إلى اليد. وهنا يظهر السؤال الذي يغيّر طريقة استخدامنا للآلة كلها:
ماذا لو كانت أكبر فجوة في حياتنا ليست بين ما نعرفه وما لا نعرفه، بل بين ما عشناه وما فهمناه؟
الآلة لا تعيش عنك
كثيرون يستخدمون الذكاء الاصطناعي كأنه صنبور معلومات. يفتحونه فتنزل الإجابات. وهذا مفيد، لكنه يترك نصف القيمة على الطاولة. فالمعلومات لم تعد نادرة أصلًا. النادر هو الإنسان الذي يعرف كيف يربط ما قرأه بما عاشه.
جرّب أن تستخدم الآلة بطريقة معاكسة. لا تسألها عمّا لا تعرفه، بل احكِ لها ما عشته واطلب منها أن تساعدك على فهمه. "في آخر ثلاثة مشاريع بدأتها، كنت متحمّسًا في البداية ثم فقدت اهتمامي في الشهر الثاني. ما الذي قد يفسّر هذا؟" عندها لا تعطيك الآلة معلومة جديدة فقط. تعطيك اسمًا لشيء كنت تعرفه منذ سنوات.
والطريق يعمل في الاتجاه الآخر أيضًا. إذا قرأت فكرة ولم تختبرها، اطلب من الآلة أن تحوّلها إلى تجربة صغيرة تقوم بها غدًا. ليس ملخّصًا آخر تضيفه إلى ملخّصاتك، بل موقفًا تختبر فيه الفكرة بيديك.
لكن هنا مفارقة يجب أن نراها بوضوح. الآلة تستطيع أن تشرح لأبي سليمان ما يحدث في العجين، لكنها لا تستطيع أن تضع إبهامها فيه نيابة عن ابنه. ومن يظن أن الإجابة تكفي يصبح مثل سليمان في أيامه الأولى: يحفظ نسبة الماء في الخبز الفرنسي، ويرمي صينية كاملة كل ليلة. الخطر ليس أن تجهل. الخطر أن تمتلئ بإجابات مستعارة، فتظن أنك صرت خبيرًا.
الآلة إذن ليست بديلًا عن الخبرة، ولا عن المعرفة. إنها المترجم بينهما. تنقل ما في يديك إلى كلمات، وتنقل ما في الكتب إلى خطوات. وهي تفعل ما فعلته تاناكا في أوساكا، لكن لكل واحد منا، في كل ليلة يجلس فيها ليفهم نفسه.
الآلة لا تستطيع أن تعيش عنك. لكنها تستطيع أن تشرح لك ما عشته.
العودة إلى الفرن
بعد تلك الليلة تغيّر شيء صغير في المخبز. صار أبو سليمان يتكلّم وهو يعجن، وصار ابنه يكتب. "لماذا انتظرت الآن؟" "لأن الجو رطب اليوم." "ولماذا ضغطته من الطرف لا من الوسط؟" "لا أعرف... دعني أفكر."
وفي المساء كان سليمان يعود إلى الآلة بما سمعه، ثم يرجع إلى أبيه في الصباح بسؤال أدقّ. بعد شهرين صار عندهما دفتر صغير. لم يكن وصفة، بل خريطة لما كانت تعرفه يدا الأب طوال ثلاثين سنة. وبدأ العاملان في الفرع الجديد يضغطان العجين بإبهاميهما، وينتظران أن يرجع ببطء، مثل إسفنجة متعبة.
أما سليمان فتعلّم شيئًا آخر. كان يظن أن المعرفة تسكن في الكتب، وأن أباه رجل طيب يعمل بالإحساس. ثم اكتشف أن أباه كان مكتبة كاملة، لكنها بلا فهرس. وكل ما كانت تحتاجه هو من يكتب الفهرس.
وفي صباح أحد الأيام، وقف أبو سليمان أمام العاملين، وضغط العجين، وقال جملة لم يقلها من قبل: "انظروا. سأشرح لكم لماذا."
ثلاثون سنة كان يعرف. وفي ذلك الصباح فقط، فهم.
التعليقات