ماذا رأى مصطفى محمود في السمعة، ولم نره نحن؟

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. ماجد لم ينم بعد.

قبل ساعتين نشر منشوراً. فكّر فيه طويلاً. اختار كل كلمة بعناية. غيّر الصورة ثلاث مرات. ثم ضغط على زر النشر، وشعر بشيء يشبه القفز من مكان عالٍ.

الآن يفتح هاتفه كل بضع دقائق. يعدّ الإعجابات. يقرأ التعليقات. يلاحظ من علّق، ويلاحظ أكثر من لم يعلّق.

حين يرتفع الرقم، يرتفع مزاجه. وحين يتوقف، يشعر بشيء بارد في صدره. كأن قيمته كلها معلّقة على شاشة صغيرة، تصعد وتهبط مع أرقام لا يملك زمامها.

ماجد يظن أنه يبني اسماً.

الحقيقة أن الاسم صار هو من يمسك بماجد.

هو لا يعرف ذلك، لكنه في تلك الليلة يطرح سؤالًا قديماً جداً. سؤالاً سبقه إليه أناس كثيرون. أحدهم كان طبيباً مصرياً، وقف قبل نصف قرن في صمت من نوع آخر.

لم يكن صمت شاشة.

كان صمت الموتى.


في بداياته، كان مصطفى محمود يقف طوال اليوم أمام أجساد الموتى في مشرحة كلية الطب، حتى إن زملاءه لقّبوه "المشرحجي". كان يفتح الأجساد ويسأل عن سرّ الحياة والموت وما بعدهما. الرجل الذي أمضى شبابه أمام النهاية، تعلّم شيئًا عن البداية. تعلّم أن ينظر إلى ما وراء الوجوه.

بعد سنوات، صار من أشهر من عرفهم العالم العربي. ألّف نحو تسعين كتاباً. قدّم أكثر من أربعمئة حلقة من برنامج "العلم والإيمان". بُني مسجد يحمل اسمه، وأمام بابه ثلاثة مراكز طبية لعلاج الفقراء.

كان يملك كل أسباب أن يعشق الشهرة.

ومع ذلك، قالوا عنه إنه لم يكن من محبّي الأضواء.

لماذا؟

لأنه رأى في السمعة شيئاً لا يراه من يركض خلفها.

كتب جملة قصيرة، تكاد تكون همسة:

"يغيّر الناس وجوههم كل يوم، فلا تبحث عن قيمتك فيها."

توقّف عندها قليلاً.

الناس يغيّرون وجوههم كل يوم. ونحن نبني قيمتنا على تلك الوجوه.


ما هي السمعة في النهاية؟

هي صورتك في عقول الآخرين. هي مرآة. لكنها ليست مرآتك أنت. إنها مرآة يحملها غيرك. جمهور يبدّل رأيه ومزاجه ووجهه كل صباح.

اليوم يحبّونك. غدًا ينسونك. بعد غد يتذكّرون خطأً واحدًا، فيمحون كل ما قبله.

أنت لا تملك هذه المرآة.

أنت فقط تستأجرها. ويمكن لصاحبها أن يطردك في أي لحظة.

مصطفى محمود رأى هذا لأن مهنته أجبرته على رؤية النهاية. وأمام الموت، تتساوى الوجوه. المشهور والمنسيّ يبدوان في المشرحة سواء. لم يكن أحد من الأجساد التي وقف أمامها يحمل معه عدد متابعيه، ولا سمعته، ولا رأي الناس فيه. كل ذلك بقي في الخارج.

وحين يبقى شيء في الخارج دائماً، تبدأ تسأل: هل كان يوماً جزءاً منّي حقاً؟

في موضع آخر، وصف الذين يجعلون الشهرة غايتهم والغرور مركبهم بأنهم مجانين. ليس لأن الشهرة شرّ في ذاتها. بل لأنها أرض تتحرك. ومن يبني بيته على أرض تتحرك، يبني على شيء لا يثبت.

بل إنه ذهب أبعد من ذلك، إلى داخل النفس نفسها. كتب أنه كلما أمسك بحالة من حالاته وقال "هذا هو أنا"، انفلتت الحالة من بين أصابعه.

فكّر في هذا للحظة.

إذا كان الإنسان نفسه لا يستطيع أن يمسك بمن هو، فكيف يمسك جمهورٌ من بعيد بقيمته؟

نحن نطلب من آلاف الغرباء أن يحدّدوا لنا شيئًا لم نحدّده نحن لأنفسنا.


لنعد إلى الوراء قليلاً.

السمعة ليست اختراعًا حديثاً. كانت موجودة قبل الشاشات بقرون. لكنها كانت تُبنى ببطء.

تاجر يُعرف بأمانته لأن الناس تعاملوا معه أربعين سنة. عالِم يُوثَق بكلمته لأنهم راقبوه طوال عمره. اسمٌ يُصنع بمئات المواقف الصغيرة، يراها الناس بأعينهم، عبر سنوات طويلة.

كان الاسم بطيئاً.

ولأنه بطيء، كان ثقيلًا. يصعب صنعه، ويصعب هدمه.

اليوم انقلبت المعادلة. صار الاسم سريعاً. تصنعه في أسبوع، وقد تخسره في تغريدة. وكلما صار أسرع، صار أخفّ. صرنا نجمع المتابعين كمن يجمع مفاتيح لأبواب لا تُفتح، ثم نحتاج دورة تدريبية جديدة كي نتذكّر لماذا بدأنا أصلاً.

هنا تنقلب الصورة كلها.

نظنّ أن السمعة شيء نبنيه ونملكه. قلعة نرفعها حجراً فوق حجر.

لكن مصطفى محمود رأى العكس. السمعة ليست قلعة نملكها. إنها ظلّ نلاحقه. كلما تحرّكنا تحرّك، وكلما أمسكنا به اختفى.

المشكلة ليست أن الناس يحكمون علينا. الناس سيحكمون دائماً. هذا طبعهم.

المشكلة أننا نبحث عن قيمتنا داخل حكمهم.


عد الآن إلى ماجد.

ما الذي تغيّر منذ زمن مصطفى محمود؟

المرآة تكاثرت.

في الماضي، كان رأي الناس يصلك بطيئًا، عبر مجلس أو حديث أو رسالة. اليوم يصلك في الثانية، عبر ألف شاشة، على مدار اليوم كله.

وصار بناء الصورة أسهل من أي وقت مضى. تكتب لك الآلة منشوراً. تصمّم لك صورة. تجعل المبتدئ يبدو خبيراً في دقائق. صار بإمكانك أن تصنع سمعة لامعة قبل أن تشرب قهوة الصباح.

لكن انتبه.

الآلة تساعدك على تلميع المرآة. لا تساعدك على الخروج منها.

كلما سهُل بناء الصورة، خفّ وزنها. وكلما تعدّدت الوجوه التي تحكم عليك، صعُب أن تجد وجهك أنت وسطها.

ماجد، في الواحدة بعد منتصف الليل، ليس أسير التقنية. هو أسير مرآة. والتقنية فقط جعلت المرآة أكبر، وأسرع، وألصق بوجهه.

فأين قيمة الإنسان إذن؟

إن لم تكن في الأرقام، ولا في التعليقات، ولا في الوجوه التي تتغيّر كل يوم، فأين؟


مصطفى محمود قضى حياته يبحث عن الجواب في الاتجاه المعاكس.

لم يبحث في الخارج. بحث في الداخل. رحلته الشهيرة كانت "من الشكّ إلى الإيمان". من الضجيج إلى الصمت. من أن يراه الناس، إلى أن يرى هو نفسه.

لم يقل إن رأي الناس بلا معنى. قال إن قيمتك يجب ألّا تسكن هناك. لأن من يسكن بيتًا يملكه غيره، ينام كل ليلة خائفًا من الطرد.

وقال شيئًا آخر يستحق أن نتوقف عنده. قال إن الصدمة نعمة، لأنها وحدها تكشف لنا الحقيقة بعد طول خداع.

طبّق هذا على السمعة.

اللحظة التي تنكسر فيها صورتك أمام الناس، مؤلمة. لكنها أيضاً اللحظة التي تكتشف فيها ما كان حقيقياً. من بقي بجانبك حين انطفأ الضوء، كان يراك أنت. لا صورتك.

الصورة تجمع الجمهور. والحقيقة تكشف من كان جمهوراً فقط.


وهنا يظهر القانون.

السمعة أن يعرفك الناس.

المكانة أن تعرف نفسك، فلا تحتاج إلى من يذكّرك بقيمتك.

وبلغة دهاء:

الذكاء أن تعرف كيف يراك الناس. والدهاء أن تعرف من أنت حين لا يراك أحد.

الأول يعيش على الشاشة. والثاني يعيش حتى لو انطفأت كل الشاشات.


في الليلة التالية، نشر ماجد شيئاً جديداً.

ثم حدث أمر صغير.

قبل أن يفتح التعليقات، سأل نفسه سؤالًا لم يعتد أن يطرحه:

"هل أنا راضٍ عمّا كتبت؟"

أجاب: نعم.

ثم قلب الهاتف على وجهه.

لم يفعل ذلك لأنه توقّف عن الاهتمام. بل لأنه فهم أخيرًا أن الجواب الذي يبحث عنه ليس داخل الشاشة. كان قد وضعه في المكان الخطأ طوال الوقت.

وقف مصطفى محمود أمام الموتى ليفهم الحياة.

وربما علينا نحن أن نطفئ الشاشة لحظة، لنفهم من نكون حين لا يرانا أحد.