في المدرسة، كان النجيب هو من يحفظ. يحفظ الجدول. يحفظ القصيدة. يحفظ أسماء الأنهار. ومن نسي، تأخّر. كبرنا. وتغيّر كل شيء. صار في جيبك آلة تحفظ ما لا يُحفظ. كل رقم. كل تاريخ. كل نهر على وجه الأرض. تسألها فتجيب في ثانية. فماذا بقي لك أنت؟

الحفظ لم يعد ميزة. صار رخيصاً. صار في متناول أي يد. والشيء الرخيص لا يصنع فرقًا. بقي لك شيء واحد. شيء لا تملكه الآلة، ولا تبيعه لك. أن تفهم لماذا يجري النهر إلى هنا، لا إلى هناك. هنا يفترق الطريقان.

التذكُّر أن تعرف. التفكُّر أن ترى.

الذي يحفظ، يجمع الأشياء. والذي يتفكّر، يرتّبها. فيرى بينها خيطًا. تأمّل رجلين قرآ الكتاب نفسه. الأول أغلقه وهو يعدّ كم صفحة حفظ. والثاني أغلقه وهو يسأل: وأنا، أين أنا من هذا؟

بعد شهر، نسي الأول ما حفظ. والثاني، تغيّر. هذا هو الفرق. المعلومة تدخل الرأس، ثم تخرج. لكن السؤال يبقى يعمل في الداخل. نحن نعيش زمن الذاكرة الرخيصة. الآلة تتذكّر عنك. فلا تُتعِب نفسك في اللحاق بها. دعها تحفظ. وتفرّغ أنت للتفكُّر. من يحفظ، يمشي خلف الركب. ومن يتفكّر، يرسم الطريق.

والقانون بسيط: حين يتذكّر الجميع كل شيء، يصبح التفكُّر هو الميزة الوحيدة. لا تُتعِب نفسك لتعرف أكثر. أتعِبها لترى أعمق. التذكُّر يملأ الرأس. والتفكُّر يفتح العين.