يومًا، صعد رجلٌ على جبل الصفا.

نادى قومه، قبيلةً قبيلة.

فاجتمعوا حوله.

سألهم سؤالًا غريبًا.

"لو قلت لكم إن خيلًا خلف هذا الجبل، تريد أن تهجم عليكم… هل تصدقونني؟"

قالوا: نعم.

ما جرّبنا عليك كذباً قط.


قف عند هذه الجملة.

مدينة كاملة.

ورجلٌ واحد.

قالوا له: ما كذبت مرة في حياتك.

كيف وصل إلى هنا؟

هو لم يعطهم ديناً بعد.

ولم يُرِهم معجزة بعد.

فبماذا ملأ قلوبهم إلى هذا الحد؟

ملأها بالسنين.


قبل أن يصير نبياً، كان له اسم.

"الصادق الأمين."

اسمٌ لا يُشترى.

اسمٌ يُبنى، يوماً بعد يوم، وفعلاً بعد فعل.


خديجة، أغنى تاجرة في مكة، اختارته ليتاجر بمالها.

لماذا هو؟

لأنها سمعت عنه شيئاً واحداً: أنه لا يخون.

السمعة وصلت قبله.


ويوم اختلفت قبائل قريش، من يضع الحجر الأسود في مكانه؟

كادوا يقتتلون على الشرف.

فاتفقوا على حكمٍ واحد: أول من يدخل من الباب.

فدخل محمد ﷺ.

فقالوا: هذا الأمين، رضينا به.

لم يكن يملك سيفاً ولا مُلكاً.

لكن الناس ائتمنته.


ثم كبر الخبر، حتى وصل إلى ملك الروم، هرقل.

سأل أبا سفيان، وكان يومها عدوّه.

هل جرّبتم عليه الكذب قبل أن يقول ما قال؟

قال أبو سفيان: لا.

انظر.

حتى عدوّه شهد له.

لأن الحقيقة أثقل من العداوة.


هنا يظهر القانون.

السمعة تُبنى قبل أن تُحتاج.

في السنين الهادئة، أنت تضع.

وفي اللحظة الكبيرة، أنت تأخذ.

هو بنى ثقتهم قبل أن يطلب إيمانهم.

فلما جاء بالرسالة، لم يبدأ من الصفر.

بدأ من رصيدٍ جمعه أربعين سنة.


الناس لم تصدّق الكلام وحده.

صدّقت من قال الكلام.

نحن نظن أن الناس تُقنعها الحُجّة.

والحقيقة أن الناس تُقنعها الثقة.

والثقة لا تُقال. تُرى.


الذكاء أن تعرف ماذا تقول.

والدهاء أن تعرف أن اسمك يتكلم قبلك.