كان تركي طفلًا في الثمانينات، ووالده طيار. فكانت الطائرة تأخذه إلى العالم قبل أن يكبر. في مطار هيثرو بلندن، كان يرى المسافر الذي جلس بجانبه في الرحلة إنسانًا مرتبًا. يقف في الطابور بهدوء، ويحترم النظام، ويمشي في المكان كأنه بيته.

ثم تهبط الطائرة في جدة، ويتغير الرجل نفسه. يشعل سيجارة في صالة المطار، ويرمي ما في يده، ويستسهل أن يترك المكان أسوأ مما وجده. الطفل لم يكن يملك الكلمات ليشرح ما يشعر به، لكنه كان يشعر بغضب غريب. لماذا نستسهل أن نخرّب بلدنا؟

حين كبر تركي قليلًا، فهم مصدر الغضب. لم يكن يعرف من هو. الجيل كله كان يشاهد أفلامًا أجنبية، ويأكل مثلهم، ويلبس مثلهم، ويحلم أن يسافر إلى بلادهم. أي أحد وقتها يعرف باريس دون أن يزورها، ويعرف برج إيفل، ويعرف لافتة هوليوود في لوس أنجلوس. لكن اسأله عن الرياض أو جدة، فلا يعرف شيئًا.

كانت الصورة الوحيدة عن بلده أنها خيام وآبار بترول، أو مكة والمدينة، ولا شيء غير ذلك. المحتوى الذي يستهلكه كله قادم من الخارج، والثقافة تأتي من الخارج، وحتى تعريف الصواب والخطأ يأتي من الخارج. إذا كنت مختلفًا عنهم، فأنت غلط. هذه كانت القاعدة الصامتة التي عاش فيها جيل كامل.

والحياة نفسها كانت مرسومة سلفًا. المسار معروف: تصير دكتورًا، أو مهندسًا، أو موظفًا في أرامكو، أو في الخطوط السعودية. طريق واضح، بلا مفاجآت، وبلا مساحة لأن تكون شيئًا لم يخترْه لك أحد. وتركي كان متمردًا بطبعه، فكان هذا الطريق الواضح يزعجه أكثر مما يريحه.

لكن حين رجع إلى التاريخ، اكتشف مفارقة. العلماء المسلمون في الأندلس كان الواحد منهم يقرأ القرآن، ويكتب الشعر، ويعرف النجوم، ويفهم الفيزياء والكيمياء والطب. والأساس الذي بُني عليه العلم الحديث جاء من ابن سينا وابن رشد والخوارزمي. المشكلة إذن لم تكن أننا أقل. المشكلة أننا توقفنا.

مرت سنوات. درس هندسة الحاسب، وعاد إلى السعودية، ودخل أول وظيفة له في الخطوط السعودية داخل مشروع تحول رقمي كبير. وهناك، في اجتماع عابر، سأل أحد المديرين: من يمسك ملف الابتكار؟ صمت الجميع. لم يرد أحد أن يقترب من كلمة غامضة لا يعرف معناها. فرفع تركي يده، وأخذ الملف الذي هرب منه الباقون.

لم تكن هناك دورات، ولا يوتيوب، ولا شروحات جاهزة. فصار يشتري الكتب من أمازون وهو مسافر، ويحمل معه في كل رحلة كراتين مليئة بكتب الابتكار والتصميم. كل فلوسه كانت تذهب إلى هذه الكتب. كان يؤدي وظيفته في النهار، ويستكشف عالمًا جديدًا في الليل.

وفي وسط هذه الكتب، وجد التعريف الذي كان يبحث عنه دون أن يعرف أنه يبحث عنه. حين نسمع كلمة "تصميم" يقفز إلى أذهاننا الرسم والألوان والشعارات. لكن المعنى الأصلي للكلمة شيء آخر تمامًا. التصميم يساوي حل المشكلات. أي مشكلة في الحياة تحتاج إلى مصمم.

فجأة اتسع العالم أمامه. إذا أردت بيتًا، تحتاج مصممًا معماريًا. وإذا أردت شارعًا، تحتاج مصممًا مدنيًا. وإذا أردت استراتيجية تسويق، تحتاج من يصممها. والأهم أن تركي وجد نفسه أخيرًا خارج الصندوق. لم يعد مجرد مهندس. صار حلّالًا للمشاكل، وهذا شيء أوسع بكثير من مسمّى وظيفي.

ما الفرق بين فكرة تغيّر حياة الناس، وفكرة تبقى جميلة في الدرج؟

تركي لم يرد أن يحل مشكلة واحدة ويكتفي. أراد أن يصنع مبتكرين. وحين قرأ التاريخ، لاحظ شيئًا. الناس الذين غيّروا حياة البشر مئة وثمانين درجة كانوا قلة قليلة. أديسون أخرج المصباح، وفورد أخرج السيارة، وستيف جوبز أخرج شيئًا لم يره أحد. لم يكن معهم كتالوج ولا دليل. كان معهم الجرأة أن يبنوا طريقًا لم يرسمه أحد قبلهم.

ثم جاءت لحظة غيّرت كل شيء. في ربيع 2016 أُطلقت رؤية 2030. رأى تركي لأول مرة مشروعًا بحجم بلد كامل يُعاد تصميمه من جديد. شعر أن هذا أكبر مشروع تصميم يمكن أن يكون جزءًا منه. فقدّم استقالته من الوظيفة الآمنة، حتى إن موظف الموارد البشرية لم يكن يعرف إجراءات الاستقالة أصلًا، لأن أحدًا لم يستقل من قبل.

وحين بدأ يعمل في هذا العالم الجديد، وجد نموذجًا حيًا لما يقصده بالابتكار. تطبيق أبشر. تجديد الجواز الذي كان يأخذ منك شهرًا كاملًا من الطوابير والوساطات وصلاة الفجر عند الأحوال، صار يأخذ ضغطة زر. ولم يخترعوا تقنية جديدة أصلًا. أخذوا تقنيات موجودة، وفهموا سلوك الإنسان واحتياجه، وربطوا الأشياء ببعضها حتى صارت خدمة تحترم وقت الناس.

حتى التفاصيل الصغيرة كانت تفهم من أمامها. كثير من السيدات لا يردن إظهار وجوههن، فوُضعت خاصية تغبيش الوجه. وهذا ليس مجرد تركيب تقنية فوق تقنية. هذا فهمٌ للثقافة، وفهمٌ لمن ستصل إليه الخدمة. الفرق بين الأمرين هو الفرق بين ابتكار وصل إلى الناس، وابتكار بقي في مكانه.

وهنا تنكشف المفارقة. أغلبنا يظن أن الابتكار هو اللحظة التي تولد فيها الفكرة: التقنية الأذكى، والحل الألمع، والعرض التقديمي الأنيق. لكن تركي يقول إن هذا كله لا يساوي شيئًا إن لم يصل. جِب أفضل تقنية، وأفضل حل، ثم لا تُوصلها لأحد، ولا تصنع وعيًا حولها، ولا تجعل الناس يستخدمونها. ماذا يبقى؟ فكرة جميلة، لكنها نائمة.

تعريف الابتكار عنده بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه. الابتكار هو الانتشار. هو أن تصل الفكرة إلى أكبر عدد من الناس، وتغيّر حياتهم إلى الأفضل. أما الفكرة التي لا تصل إلى أحد غيرك، فهي جميلة في الدرج، جميلة في الشرائح، جميلة على السوشال ميديا. لكن كم إنسانًا تغيّرت حياته بسببها؟

ثم يذهب أبعد من ذلك. يقول إننا لا نستطيع أن نبتكر ونحن أنانيون. الابتكار الحقيقي يبدأ حين تريد شيئًا أكبر منك، أثرًا يعيش بعدك. فكرة، أو صوتًا، أو منتجًا، أو تجربة، أو كتابًا، أي شيء يبقى وينفع الناس. وهنا يتحول الابتكار من متعة شخصية إلى شيء آخر تمامًا.

الرفاهية أن تبتكر لنفسك. والمسؤولية أن تبتكر لغيرك.

والآن يمكننا أن نعود إلى ذلك الرجل في مطار جدة. الرجل الذي رمى ما في يده، وأشعل سيجارته، واستسهل أن يترك المكان أسوأ مما وجده. لم تكن مشكلته أنه كسول. مشكلته أنه لم يكن يشعر أن المكان مكانه، ولم يكن في رقبته شيء تجاهه. من لا يشعر بالمسؤولية تجاه بلده يرميه، ومن لا يشعر بالمسؤولية تجاه فكرته يتركها في الدرج.

الرجل الذي يخرّب بلده، والمبتكر الذي يبتكر لنفسه فقط، أقرب إلى بعضهما مما نظن. كلاهما أخذ ولم يعطِ. وكلاهما رأى نفسه أكبر من المكان الذي يقف فيه. الفرق الوحيد أن الأول يرمي ورقة، والثاني يرمي فكرة كان يمكن أن تغيّر حياة الناس.

والغريب أن هذا العصر جعل المسؤولية أثقل، لا أخف. قبل سنوات، كانت الفجوة بين المشكلة والحل واسعة. تحتاج فريقًا، ومالًا، وسنة كاملة حتى تجرّب فكرة واحدة. اليوم صار عند كل إنسان عقل ثانٍ يفكر معه. تصنع شعارًا وأنت لست مصممًا، وتصنع تطبيقًا وأنت لست مبرمجًا، وتبني نموذجًا لفكرتك في نهاية أسبوع واحد.

حين كان بناء الحل صعبًا، كان الصمت مفهومًا. أما اليوم، فمن رأى مشكلة، ووجد لها حلًا، وقدر أن يبنيه في يومين، ثم تركه في الدرج، فهو لم يعد يملك عذرًا. صار العجز اختيارًا. وهذا بالضبط ما يجعل الابتكار مسؤولية، لا رفاهية. الأدوات التي كانت حكرًا على القلة، صارت في يد الجميع.

ربما لن نرى الأثر اليوم. ربما يراه أبناؤنا، أو أحفادنا. المبتكر الحقيقي لا يزرع ليحصد وحده. يزرع لأن أحدًا قبله زرع له، ولأن أحدًا بعده سيجلس في ظل ما غرس. وهذه ليست فكرة رومانسية، بل هي المسافة الحقيقية بين من يأخذ ومن يترك بصمة.

لم يعد السؤال أن تقدر أن تبتكر. السؤال صار: لمن.