المشروع الذي حمل كل الأسماء إلا اسمه
في قاعة فندق كبير في الرياض، كانت الشاشة تعرض شعار الشركة بحجم الحائط. صعد الرئيس التنفيذي إلى المنصة، وشكر مجلس الإدارة، وشكر الشركاء، ثم شكر "فريق العمل" بجملة واحدة سريعة. صفّق الحاضرون، وبدأت الكاميرات تلتقط الصور.
في الصف الخامس جلس فيصل يشرب قهوته. قضى ثلاث سنوات في هذا المشروع. هو من أقنع الإدارة بتغيير الخطة في منتصف الطريق، وهو من سهر الليالي حين تأخر المقاول، وهو من أنقذ الموعد في الأسابيع الأخيرة.
في صباح اليوم التالي نشرت الصحف الخبر. ظهر فيه اسم الشركة ست مرات، ومعه اقتباس طويل للرئيس التنفيذي. أما اسم فيصل فلم يظهر مرة واحدة. حتى الكعكة في الحفل كان عليها شعار الشركة.
لم يغضب فيصل. قال لنفسه إن العمل هو المهم، وإن الناس في الداخل يعرفون من فعل ماذا. وكان هذا صحيحًا، ففي الاجتماعات كان الجميع يلتفتون إليه كلما تعقدت مشكلة.
بعد سنة ونصف، اجتمعت لجنة ترشيحات في جهة أخرى تبحث عن عضو لمجلس إدارتها. ذكر أحدهم اسم فيصل، فكتبه عضو آخر في محرك البحث، ثم سأل عنه أداة ذكاء اصطناعي. جاءت الإجابة في سطرين: مسمى وظيفي، وصورة قديمة من مؤتمر. انتقلت اللجنة إلى الاسم التالي، وكان لرجل يعرفه الجميع من المقابلات والمنصات، رغم أن سجله أخف بكثير.
إذا كان العمل عمله، فلماذا لم يحمل اسمه؟
ليس تواضعاً كما ظننا
الجواب الأول الذي يخطر لنا سهل. فيصل متواضع أكثر من اللازم، لا يحب الظهور، ولا يعرف كيف يسوّق نفسه. والجواب الثاني تقدمه كتب تطوير الذات: كان عليه أن يكتب في لينكدإن كل أسبوع، ويتحدث في المؤتمرات، ويصنع "علامته الشخصية".
الجوابان فيهما شيء من الحقيقة، لكنهما يضعان المشكلة داخل طبع فيصل. والنمط أوسع من أن يكون مسألة طبع. من يكتب سير مئات التنفيذيين يلاحظ شيئًا يتكرر: أصحاب السجلات الأثقل هم غالبًا الأصعب في الكتابة عنهم. قراراتهم حقيقية، ونتائجهم كبيرة، لكن أثرهم المكتوب يكاد يكون فارغًا.
خذ مثلًا رجلًا اسمه داروين سميث. في عام ١٩٧١ أصبح رئيسًا تنفيذيًا لشركة كمبرلي كلارك الأمريكية، وكانت يومها شركة ورق قديمة يتأخر سهمها عن السوق. كان محاميًا داخل الشركة، خجولًا، لا يحب الأضواء.
ثم اتخذ قرارًا بدا مجنونًا. باع مصانع الورق، ومنها المصنع الموجود في البلدة التي أخذت الشركة اسمها منها، ونقل المال إلى منتجات المستهلك. وخلال عشرين سنة من قيادته، بلغت العوائد التراكمية لسهم الشركة أكثر من أربعة أضعاف عوائد السوق.
ومع ذلك، بقي سميث مجهولًا تقريبًا خارج صناعته. الأسماء التي عرفها الناس في تلك السنوات كانت لتنفيذيين آخرين يملؤون الصحف والشاشات.
لكن انتبه لما حدث بعد ذلك. نحن نعرف قصة سميث اليوم لسبب واحد: باحث اسمه جيم كولنز ذهب يبحث. جمع أرقام الأسهم، وأجرى المقابلات، وأعاد بناء القصة في كتابه "من جيد إلى عظيم". ولو لم يفعل، لبقي الإنجاز كله باسم كمبرلي كلارك.
سميث لم يطلب الفضل، وهذا كان اختياره. لكن السجل الذي حفظ اسمه لم يصنع نفسه، بل صنعه شخص آخر. وهنا يبدأ الخيط الحقيقي: المشكلة ليست في التواضع، بل في شيء يحدث حول المتواضع وهو لا يراه.
العين لا ترى إلا الشعار
عندما يرى الناس نتيجة، يبحثون عن سببها. هذه عادة قديمة في العقل، درسها عالم النفس فريتز هايدر قبل أكثر من ستين عامًا. لكن العقل لا يبحث دائمًا عن السبب الحقيقي. يبحث عن السبب الذي يراه.
وفي أي مؤسسة، هناك سببان يراهما الجميع. الأول هو اسم المؤسسة، المكتوب على المبنى والمنتج والبيان الصحفي. والثاني هو الشخص الذي يقف في القمة، وقد سمّى الباحث جيمس ميندل هذه النزعة "رومانسية القيادة": أن ننسب كل نجاح كبير، وكل فشل كبير، إلى من يقف على المنصة.
فيصل لم يكن مختفيًا. كان واقفًا في مكان لا تنظر إليه العين. الناس لم يتجاهلوه، بل نظروا من فوق رأسه إلى الشعار والمنصة.
ثم يزداد الأمر مع الوقت. لاحظ عالم الاجتماع روبرت ميرتون أن العالِم المعروف يأخذ أغلب الفضل حتى حين يقدّم عالِم مجهول عملًا مشابهًا، وسمّى ذلك "أثر ماثيو". الاسم المعروف يجمع فضلًا أكثر، فيصبح أكثر شهرة، فيجمع فضلًا أكثر.
والشركة القوية تعمل بالطريقة نفسها. كل نجاح جديد يزيد اسمها لمعانًا. وكل إنجاز يصنعه فيصل يضاف إلى رصيدها، لا إلى رصيده.
وقد لا يكون هذا عيبًا أصلًا. انظر إلى أرامكو السعودية. حين احتاجت الدولة إلى مشروع معقد يُنجز بسرعة، كانت أرامكو غالبًا هي الخيار. بنت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في نحو ثلاث سنوات فافتُتحت في سبتمبر ٢٠٠٩، وأشرفت على بناء استاد مدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة.
في ذاكرة الناس، هذه إنجازات أرامكو. وهذا جزء من قوتها، لأن الاسم الموثوق يعير ثقته لكل مشروع يلمسه. لكن داخل هذا الاسم كان هناك أناس.
أحدهم نظمي النصر. التحق بأرامكو عام ١٩٧٨، وتنقّل قرابة ثلاثة عقود بين برامجها الكبرى، فكان مديرًا لتطوير حقل الشيبة ثم نائبًا للرئيس للخدمات الهندسية. ثم قاد تأسيس الجامعة رئيسًا مكلفًا، وقال في وصف المهمة إنهم لا يديرون جامعة فقط، بل يديرون مدينة.
عقود من العمل ذهبت في الغالب إلى حساب أرامكو. ولم يأتِ الاعتراف الواسع إلا حين انتقل إلى قيادة مؤسسات أخرى. كان التعيين نفسه هو الإشارة، كأن المنصب الجديد فتح خزانة كان المنصب القديم يحفظ فيها الفضل.
لكن هذا الباب لا يُفتح إلا حين يقرر شخص كبير أن يفتحه. وأغلب التنفيذيين لا يأتيهم هذا القرار أبدًا. يبقى فضلهم محفوظًا باسم الشركة، في مكان آمن جدًا، لا يصل إليه أحد، حتى هم.
امرأة حسبت طريق الفضاء بيدها
في عام ١٩٥٣ التحقت كاثرين جونسون بمختبر لانغلي، التابع للهيئة التي صارت لاحقًا ناسا. كانت وظيفتها "حاسبة"، أي امرأة تحل المعادلات بيدها قبل أن تنتشر الحواسيب.
وكان للنظام قاعدة بسيطة. الحاسبات يصنعن الأرقام، والمهندسون يكتبون التقارير، والتقارير تحمل أسماء المهندسين. هكذا كان عمل جونسون يدخل في إنجازات المؤسسة كل يوم، دون أن يحمل اسمها.
ثم تغيّر شيء صغير عام ١٩٦٠. شاركت في كتابة تقرير مع المهندس تيد سكوبينسكي عن وضع قمر صناعي فوق نقطة محددة من الأرض. وتسجّل ناسا أنها كانت أول مرة تُذكر فيها امرأة من قسمها مؤلفةً لتقرير بحثي.
وبعد عامين، قبل رحلة جون غلين المدارية، طلب غلين شيئًا لافتًا. طلب أن تتحقق جونسون بيدها من حسابات الحاسوب الإلكتروني. رائد الفضاء الذي سيجلس في الكبسولة وثق بها أكثر مما وثق بالآلة.
ومع ذلك تقاعدت عام ١٩٨٦ وهي شبه مجهولة خارج لانغلي. الاعتراف العام جاء بعد عقود: وسام الحرية الرئاسي عام ٢٠١٥، ثم كتاب مارغو لي شترلي "شخصيات مخفية" عام ٢٠١٦ والفيلم الذي تبعه، ثم مبنى في ناسا يحمل اسمها.
قصة جونسون لا تُختصر في سبب واحد. العِرق والجنس كان لهما دور كبير في تحديد من يأخذ الفضل في ذلك الزمن. لكن فيها درسًا واضحًا عن الطريقة التي يتحرر بها الفضل المحبوس.
لاحظ ما الذي غيّر مصيرها. اسمها على تقرير ١٩٦٠، وشهادة رجل موثوق حين طلبها غلين بالاسم، ومؤرخة جاءت بعد سنوات وكتبت القصة. ولم تحتج جونسون إلى أن تمدح نفسها مرة واحدة.
دفتر بثلاثة حسابات
الآن نستطيع أن نرى الصورة كاملة. تخيّل أن كل إنجاز داخل مؤسسة يُسجَّل في دفتر، مثل دفتر المحاسب. وفي هذا الدفتر ثلاثة حسابات يمكن أن يذهب إليها الفضل.
الحساب الأول باسم المؤسسة، وهو الحساب الافتراضي، لأن الشعار أوضح شيء تراه العين. والحساب الثاني باسم القائد الأبرز، المؤسس أو الرئيس التنفيذي الذي يقف على المنصة. والحساب الثالث باسم الشخص الذي اتخذ القرار أو صنع العمل فعلًا.
الحسابان الأولان ليسا عدوين. حساب المؤسسة القوي يحميها، وحساب القائد يعطيها وجهًا يعرفه الناس. المشكلة ليست أنهما يأخذان الفضل، بل أنهما يأخذانه كله.
والحساب الثالث هو الوحيد الذي يسافر معك. حين يغادر فيصل شركته، يبقى حساب المؤسسة في مكانه، ويبقى حساب الرئيس مع الرئيس. أما حسابه الشخصي فكان فارغًا من البداية، فيخرج بلا شيء يستطيع غريب أن يتحقق منه.
وقد وجد باحثون في هارفارد أمرًا قريبًا من هذا في الأداء نفسه. المحللون النجوم الذين انتقلوا بين الشركات تراجع أداء كثير منهم، لأن جزءًا من نجاحهم كان قائمًا على موارد الشركة القديمة. والفضل يتصرف بالطريقة نفسها، فما لم يُكتب باسمك يبقى حيث كُتب.
فكيف ينتقل الفضل إلى الحساب الثالث؟ القصص السابقة تكشف أربعة أبواب. الأول هو التوقيع، أن يُكتب اسمك على القرار أو العمل وقت حدوثه، كما حدث مع تقرير جونسون. والثاني سجل يكتبه طرف ثالث، كما فعل كولنز مع سميث وشترلي مع جونسون، وهو أقوى من أي كلام يقوله الشخص عن نفسه لأنه أصعب في التزييف.
والثالث شاهد موثوق من الداخل يقول علنًا من صنع العمل، كما فعل غلين. والرابع لغة تسافر، أي أن يوصف الإنجاز بكلمات يفهمها من هو خارج المؤسسة، لا بمصطلحاتها الداخلية التي تحبس الفضل في الداخل. ومن لا يملك أيًا من هذه الأبواب يبقى مخفيًا مهما أنجز.
أن ترفض التصفيق، لا السجل
هنا تظهر مفارقة. كل من ذكرناهم لم يطلبوا الفضل. سميث كان ينسب النجاح لغيره ويتحمل الفشل بنفسه، وجونسون لم تقف يومًا لتخبر العالم بما فعلت. ومع ذلك، مكانتهما اليوم ثابتة.
السبب أن هناك شيئين نخلط بينهما كثيرًا: أن ترفض المطالبة بالفضل، وأن يغيب السجل. الأول فضيلة، وقد يكون أصدق علامة على أن الإنسان يعمل لقناعة لا لصورة. والثاني فجوة في البناء، لا علاقة لها بالأخلاق.
سميث لم يطالب، لكنه سُجّل. وجونسون لم تطالب، لكنها سُجّلت. ومكانتهما اليوم قائمة على السجل، لا على أي كلمة قالاها عن نفسيهما.
وهذا يغيّر النصيحة كلها. فيصل لا يحتاج أن يصبح أعلى صوتًا، ولا أن يتحول إلى صانع محتوى. يحتاج أن يكون سجله أكمل، فيكون اسمه على القرارات الكبرى، ويذكره رئيسه بالاسم في الإعلان، ويوجد شخص من خارج الشركة كتب ما حدث.
وما يصدق على فيصل يصدق على المؤسسات أيضًا. الشركة التي تُبقي حسابات موظفيها فارغة تخفي عمقها عن السوق والمستثمرين، وعن كل من سيبحث يومًا عمّن يخلف قادتها. وكتابة الأسماء في المشاريع الكبرى لا تُضعف الشعار، بل تُظهر أن خلفه أناسًا يستحقون الثقة.
الإنجاز الذي لا يُكتب باسمك، لا يصبح مكانتك.
العودة إلى الحفل
لنرجع إلى القاعة الكبيرة في الرياض، وإلى الصف الخامس. فيصل ما زال يشرب قهوته، والشعار ما زال يملأ الشاشة. لكننا نرى المشهد الآن بعين أخرى.
لم يكن الخطأ أنه لم يصعد إلى المنصة. ولم يكن الخطأ أن الشركة أخذت الفضل، فهذا حقها أيضًا. الخطأ أن تلك الليلة، مثل مئات الأيام قبلها، لم تترك أثرًا واحدًا يربط اسمه بما صنع.
وهذا اليوم أخطر من أي وقت مضى. اللجنة التي سألت عن فيصل لم تسأل زملاءه، بل سألت آلة. والآلة لا تعرف ما يعرفه الناس في الممرات والاجتماعات، إنها تعرف فقط ما كُتب. ومن غاب عن السجل، غاب عن الإجابة.
تخيّل النسخة الأخرى من الليلة نفسها. يقول الرئيس التنفيذي جملة واحدة إضافية: "هذا المشروع قاده فيصل". ويذكر البيان الصحفي اسمه مرة واحدة. وبعد سنة، يكتب أحدهم قصة المشروع كما حدثت.
لن يتغير شيء في تواضع فيصل. سيبقى في الصف الخامس، يشرب قهوته، ويصفّق لغيره. لكن حين يسأل أحدهم بعد سنوات "من هذا الرجل؟"، سيجد جوابًا.
التواضع أن ترفض التصفيق. والدهاء ألا ترفض السجل.
التعليقات