الصفحة التي كتبها بنفسه
قضى ناصر ثلاثة أسابيع يكتب صفحة "من نحن" لمكتبه الصغير في التصميم الداخلي. كتبها ومسحها، ثم كتبها من جديد، ثم أرسلها إلى صديقين ليراجعاها. في النسخة الأخيرة ظهرت كلمة "روّاد" أربع مرات، وكلمة "شغف" ثلاث مرات.
كانت صفحة جميلة جدًا. ولو قرأ ناصر هذا الكلام نفسه عن شخص آخر، لما صدّق منه شيئًا.
في الليلة نفسها، وفي حيّ آخر من الرياض، كان مجلس صغير يمتلئ بعد صلاة العشاء. دارت القهوة، ودار معها الحديث عن الأولاد والعمل وأسعار الإيجارات. ثم قال أحد الحاضرين إنه استأجر مكتبًا جديدًا، ويبحث عن مصمم.
لم يفكر أحد في صفحة ناصر. قال رجل في طرف المجلس وهو يضع فنجانه: "كلّم فلانًا. صمّم مكتب أخي، وسلّمه قبل موعده بأسبوع. ولما انكسر رفّ بعد شهر، رجع وأصلحه على حسابه." أخذ السائل الرقم، وانتقل الحديث إلى شيء آخر.
استغرق الأمر أقل من دقيقة. لم يكن فيه شعار ولا صورة ولا كلمة "روّاد". ومع ذلك حُسم فيه شيء لم تستطع صفحة ناصر أن تحسمه في ثلاثة أسابيع.
ناصر لم يكن في ذلك المجلس، ولن يعرف أنه عُقد أصلًا. ولن يعرف كم مجلسًا مثله يُعقد كل ليلة، ويُذكر فيه اسم غيره.
إذا كانت سمعتنا تُصنع في غرف لا ندخلها، فما الذي نملكه منها أصلًا؟
البائع الذي نافس نفسه
في عام ٢٠٠٢، قام بائع قديم على موقع eBay بتجربة غريبة. كان يبيع بطاقات بريدية قديمة، ولديه سجل طويل من تقييمات المشترين. فقرر أن يعرض بطاقات متشابهة تحت اسمين: اسمه المعروف، واسم جديد لا تاريخ له.
البضاعة متشابهة. البائع هو نفسه. طريقة التغليف والشحن لم تتغير. الفرق الوحيد أن أحد الاسمين تكلّم عنه الناس من قبل، والآخر لم يتكلم عنه أحد.
والنتيجة أن المشترين دفعوا تحت الاسم المعروف ثمنًا أعلى بنحو ثمانية في المئة. الرجل نفسه باع البطاقات نفسها، لكنه نافس نفسه، وخسر أمام نفسه.
ما الذي كان المشترون يدفعون ثمنه إذن؟ لم يكن البطاقات، فهي متشابهة. ولم يكن البائع، فهو واحد. كانوا يدفعون ثمن شيء لم يكتبه البائع أبدًا: كلام مئات الغرباء الذين اشتروا منه من قبل، ثم قالوا رأيهم وذهبوا.
وهنا يظهر سؤال صغير يستحق أن نتوقف عنده. لماذا يثق المشتري بكلام أشخاص لم يرهم في حياته، أكثر من ثقته بالبائع نفسه؟
الشاهد الذي يدفع الثمن
أي شركة تستطيع أن تقول عن نفسها إنها موثوقة. وأي شخص يستطيع أن يكتب في تعريفه أنه خبير. هذا الكلام لا يكلّف قائله شيئًا، ولهذا بالضبط لا يثبت شيئًا.
لاحظ الاقتصاديون منذ زمن أن الإشارة لا تُصدَّق إلا إذا كان تزييفها مكلفًا. وحين يتكلم عنك شخص آخر، تنتقل الكلفة من كتفك إلى كتفه. الناقد الذي يمدح مطعمًا سيئًا يخسر ثقة قرائه. والرجل المعروف الذي يوصي بشركة ضعيفة يدفع من اسمه هو. الشهادة تُصدَّق لأن شخصًا غيرك سيدفع ثمنها إن كانت كاذبة.
والغريب أن هذه الفكرة ليست اكتشافًا حديثًا في كتب التسويق. علماء الحديث بنوا قبل قرون واحدًا من أدق الأنظمة في تقييم الناس، وسمّوه علم الجرح والتعديل. لم يكن يكفي أن يقول الراوي عن نفسه إنه ثقة. كان السؤال دائمًا: من قال عنه ذلك؟ ومن يكون هذا القائل؟
بل إنهم قيّموا النقاد أنفسهم. بعضهم عُرف بالتشدد، لا يمدح إلا نادرًا، فكان مدحه أثقل من مدح غيره. قيمة الشهادة كانت تأتي من مكانة الشاهد، ومن ندرة ثنائه.
وفي تراثنا الأدبي قصة تشرح هذا أفضل من أي نظرية. تروي كتب الأدب أن قبيلة في نجد عُرفت باسم "بني أنف الناقة". وتقول الرواية إن جدّهم لم يحصل من ناقة مذبوحة إلا على رأسها، فجرّه من أنفه، فلحقه الاسم ولحق أبناءه من بعده. صار الاسم سخرية، وكانوا يضيقون به.
ثم جاء الحطيئة، الشاعر الذي كان الناس يخافون لسانه لشدة هجائه، وقال فيهم:
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهمُ ومن يُسوّي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبا
يقول: هم الأنف، والناس ذيل. ومن ذا الذي يساوي الذيل بالأنف؟ وتذكر الروايات أن القبيلة صارت بعدها تحمل الاسم بفخر. الاسم لم يتغير. الذي تغيّر هو معناه.
لم يكن السر في جمال البيت وحده. كان في قائله. مدح شاعر عُرف بالهجاء نادر، والنادر ثمين. والحطيئة حين مدح وضع اسمه كله في الكفة.
إذن لكلام الآخرين وزن حقيقي. لكن ليس كل كلام يخرج من أفواه الآخرين له الوزن نفسه.
الصوت الذي لا يُشترى
كل واحد منا يُتحدَّث عنه بثلاثة أصوات. الصوت الأول هو ما نقوله نحن عن أنفسنا: صفحة "من نحن"، والحملة، والتعريف في الحساب. هذا الصوت يكشف ما نريد أن نكون، لكنه لا يثبت ما نحن عليه.
الصوت الثاني هو ما نطلب من الآخرين أن يقولوه، أو ندفع لهم ليقولوه، أو نرتّب لهم أن يقولوه. منشور مموّل، أو سفير للعلامة، أو صديق يقدّمنا في لقاء. هذا الصوت قد يفتح بابًا. لكنه إن لم يتحول بعد ذلك إلى شهادة حقيقية، يذبل بسرعة.
والجمهور يعرف الفرق أسرع مما نظن. حين يمدح مشهور منتجًا ويضع في آخر المنشور كلمة "إعلان"، يسمع الناس الإعلان قبل أن يسمعوا المدح.
أما الصوت الثالث، فهو ما يقوله الناس عنك دون أن يطلب منهم أحد، وفي غيابك، ودون أن يكسبوا منك شيئًا. هذا هو الصوت الوحيد الذي يعامله الناس كدليل، لا كرسالة تسويقية. ولهذا فيه مفارقة قاسية: قيمته كلها أنك لم تكتبه. فإذا اكتشف الناس أنك صنعته بنفسك، عاد فورًا صوتًا ثانيًا، وذهبت قيمته.
لنرجع إلى رجل المجلس. لماذا كانت جملته أثقل من صفحة ناصر كلها؟ أولًا لأنه لا يكسب شيئًا إن نجح المصمم. ثانيًا لأنه لم يقل "ممتاز" أو "مبدع"، بل قال شيئًا محددًا: سلّم قبل موعده بأسبوع، وأصلح الرفّ على حسابه. والتفصيل المحدد يصعب اختراعه، ويسهل التحقق منه.
ثالثًا لأنه خاطر باسمه أمام الحاضرين. إن خذل المصمم صاحبَ المكتب الجديد، فسيتذكر الجميع من أوصى به. ورابعًا، إن سمع الناس القصة نفسها من ثلاثة أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا، في ثلاثة مجالس مختلفة، فلن تعود حكاية. ستصير سجلًّا.
ألف تعليق يقول "رائع" لا يساوي جملة واحدة محددة من شخص لا مصلحة له. الكثرة بلا هذه الصفات مجرد ضجيج. ولكن إن كان هذا صحيحًا، فكيف تنجح شركات كبيرة لا يذكرها أحد في المجالس؟
حين يكون الصمت ثمنًا
في مدينة سياتل الأمريكية، جمع الباحث مايكل لوكا تقييمات المطاعم على موقع Yelp، وقارنها بإيراداتها الحقيقية في السجلات الحكومية بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٩. وبحلول ٢٠٠٩ كان الموقع قد غطّى نحو سبعين في المئة من مطاعم المدينة، بينما لم تراجع الصحيفة الرئيسية فيها إلا نحو خمسة في المئة.
وجد لوكا أن نجمة واحدة إضافية في التقييم ترفع إيراد المطعم ما بين خمسة وتسعة في المئة. لكن هذا حدث للمطاعم المستقلة فقط. مطاعم السلاسل لم تتأثر تقريبًا.
والسبب بسيط حين نراه. حين تدخل مطعمًا من سلسلة معروفة، أنت تعرف مسبقًا ماذا ستأكل. الاسم الكبير قام بالعمل الذي تقوم به التقييمات. أما المطعم المستقل في آخر الشارع، فليس لديه ما يطمئن الزبون إلا كلام من جرّبوه قبله. الصوت الثالث يكون أثقل ما يكون حيث تقلّ الإشارات الأخرى.
وتجربة eBay فيها نتيجة ثانية تكمل الصورة. وجد الباحثون أن تقييمًا سيئًا أو اثنين لم يضرّا البائعين الجدد بشكل واضح. فالمشترون كانوا حذرين من الجديد في كل الأحوال، سواء قيل عنه سوء أو لم يُقل عنه شيء. الجديد لا يُعاقَب لأنه سيئ. يُعاقَب لأنه لم يُسمع عنه بعد.
الصمت عند الناس ليس حيادًا. الصمت يُقرأ كمخاطرة، والمخاطرة لها ثمن. ومن لا يتكلم عنه أحد يدفع ضريبة هادئة في كل تعامل، دون أن تصله فاتورة.
وهذا بالضبط ما كان يحدث لناصر. مكتبه صغير، وسجله قصير، وليس خلفه اسم كبير. هو المطعم المستقل، وهو البائع الجديد. لم يكن العملاء يقولون له: لا نثق بك. كانوا يطلبون خصمًا، ويطلبون عيّنة إضافية، ويطلبون وقتًا أطول للتفكير. وكان يظن أن المشكلة في صفحته، فيعود ليكتبها من جديد.
لكن ناصر لا يستطيع أن يدخل المجالس، ولا أن يكتب ما سيقال فيها. هل يعني هذا أنه عاجز؟ ليس تمامًا. هو لا يملك الكلام الذي سيقال عنه، لكنه يملك ما يسبق الكلام. يستطيع أن يعطي الناس شيئًا محددًا وصادقًا ومتكررًا ليقولوه حين يغيب.
نستطيع أن نكتب ما نقوله عن أنفسنا. أما ما يقوله الآخرون عنا، فلا نملك إلا أن نستحقه.
العودة إلى المجلس
بعد أشهر، كان ناصر يعمل على تصميم عيادة صغيرة. وصلت شحنة البلاط بلون غير الذي اتفقوا عليه، والخطأ خطأ المورّد. كان يستطيع أن يقنع صاحب العيادة بأن الفرق بسيط. لكنه طلب شحنة جديدة على حسابه، ولم يخبر الطبيب إلا بعد أن انتهى التركيب.
لم يصوّر ذلك، ولم ينشر عنه شيئًا. لو فعل، لصار الموقف صوتًا أول، ولضاع معناه.
وفي مساء خميس، في مجلس لن يدخله ناصر أبدًا، سأل أحدهم عن مصمم لمكتبه الجديد. قال الطبيب وهو يمدّ فنجانه للقهوة: "كلّم ناصر. أخطأ المورّد في لون البلاط، فغيّره على حسابه، ولم يخبرني إلا بعد أن انتهى." لم يسأل أحد عن صفحته، ولا عن عدد سنوات خبرته.
في تلك اللحظة كان ناصر في بيته، لا يعرف شيئًا مما يجري. صفحة "من نحن" ما زالت على موقعه، وكلمة "روّاد" ما زالت فيها أربع مرات. لكن أجمل ما قيل عنه تلك الليلة لم يكتبه هو، ولن يقرأه أبدًا.
الذكاء أن تعرف كيف تتكلم عن نفسك. والدهاء أن ترى أن الكلام الذي يصنع اسمك ليس كلامك، وأن كل ما تملكه هو أن تعطيه سببًا صادقًا ليُقال.
أهم غرفة في حياتك المهنية هي الغرفة التي لن تدخلها أبدًا.
التعليقات