في ربيع عام ١٤٥٢ وُلد طفل في قرية صغيرة اسمها فينشي، على تلال توسكانا. كان أبوه كاتب عدل من عائلة توارثت هذه المهنة جيلًا بعد جيل، وكانت أمه فلاحة بسيطة لم يتزوجها أبوه. وكان هذا وحده كافياً ليحدد مصير الطفل قبل أن ينطق كلمته الأولى. فالمولود خارج الزواج في فلورنسا ذلك الزمن لا يحق له أن يرث مهنة أبيه، ولا يُقبل في نقابة الموثقين، ولا يُرسَل إلى المدارس التي يتعلم فيها أبناء العائلات المحترمة اللاتينية ولغة العلماء. عاش ليوناردو طفولته على الحافة، فلا هو من عائلة أبيه تماماً، ولا هو من عالم أمه تماماً. وكانت كل الأبواب التي تصنع للإنسان هوية جاهزة في ذلك الزمن مغلقة أمامه.

وحين كبر ودخل فلورنسا، كان المثقفون يسخرون منه لأنه لا يقرأ اللاتينية، وكان هو يسمي نفسه بشيء من المرارة والكبرياء معاً "رجلًا بلا تعليم". لكنه كتب في إحدى أوراقه ما معناه أن هؤلاء يتزينون بأعمال غيرهم، أما هو فتلميذ التجربة. لم يكن يملك الكتب التي يملكونها، فذهب إلى ما لا يملكه أحد منهم. ذهب إلى الماء وهو يجري، وإلى الطير وهو يطير، وإلى جسد الإنسان من الداخل. والرجل الذي لم تقبله الجماعة صنع لنفسه طريقاً لم تكن الجماعة تعرف بوجوده.

في هذه الحكاية قانون يتكرر في حياة كثيرين دون أن ينتبهوا له. الجماعة تعطي أفرادها هوية جاهزة، كما يعطي الخيّاط ثوباً مفصلًا على مقاس الجميع. تخبرهم كيف يتكلمون، وماذا يحبون، ومن يعادون، وإلى أين يطمحون. وهذا الثوب مريح ودافئ، لكنه يعفي صاحبه من سؤال صعب، وهو من أنا حين لا يخبرني أحد من أنا. أما الذي لا تقبله أي جماعة، فيقف عارياً من هذا الثوب، ولا يملك إلا أن يخيط ثوبه بيده. وقد وقفت في هذا الموقف وأنا في الثامنة، في مدينة لم أكن أعرف عنها إلا اسمها.

من المزرعة إلى السوق

نشأت في اللسيب، قرية صغيرة في القصيم يسكنها أقل من خمسمئة إنسان. كانت أشبه بمزرعة كبيرة توزعت على أطرافها بيوت صغيرة، وطرقها قصيرة لا تمر فيها إلا سيارة أو سيارتان في اليوم. كنت أذهب إلى المدرسة بين النخيل والحيوانات، وكان فصلي اثني عشر طالباً يعرف كل واحد منهم الآخر وأهله وبيته. لم يكن أحد منا يسأل إلى أي مجموعة ينتمي، لأننا كنا جميعاً مجموعة واحدة. والإنسان لا ينتبه إلى نعمة الانتماء إلا حين يفقدها.

ثم انتقلنا إلى بريدة، إلى شقة متوسطة في قبة رشيد، في قلب السوق الداخلي. تغير كل شيء دفعة واحدة. صارت الشوارع لا تهدأ من قبل صلاة الفجر إلى ما بعد منتصف الليل، وصار طريقي إلى المدرسة يمر بزحام سوق الخضرة وضجيج أسواق الجملة. وصار فصلي في مدرسة الأندلس أربعة وأربعين طالباً بدل اثني عشر. لكن الأعداد لم تكن هي المشكلة، فالمشكلة كانت فيما لا يُرى بالعين. كان الفصل الكبير مقسماً إلى جزر صغيرة، لكل جزيرة لونها ولهجتها وحدودها التي يعرفها أهلها جيداً.

الطفل الذي في المنتصف

حاولت أن أجد جزيرتي. نظرت إلى مجموعة السعوديين فلم أجد لي مكاناً بينهم، لأن أمي ليست سعودية الأصل، ولأن بشرتي الفاتحة كانت تحمرّ تحت شمس الصباح فتعلن اختلافي قبل أن أفتح فمي. ثم نظرت إلى مجموعة الأجانب فلم أجد لي مكاناً بينهم أيضاً، لأنني لست أجنبياً، ولم أعرف في حياتي بلداً غير هذا البلد. كنت في المنتصف بالضبط، والمنتصف في ساحة المدرسة ليس مكاناً محايداً. هو المكان الذي يقف فيه من لا يُدعى إلى أي لعبة.

وفي أحد الأيام عدت إلى البيت، ووقفت أمام أمي، وقلت لها بنبرة يملؤها الاستغراب: "يمه، يقولون لي يالمصري." لم أكن أشتكي من شتيمة بالمعنى الدقيق، فالكلمة في ذاتها ليست عيباً. كنت أشتكي من شيء أعمق لم أكن أملك له اسماً، وهو أن الآخرين قرروا من أكون قبل أن أقرر أنا. كانوا يضعونني في خانة، والخانة التي اختاروها لم تكن خانتي. والطفل في تلك السن لا يريد أن يكون مميزاً ولا فريداً، يريد فقط أن يلعب مع الآخرين وأن يشبههم.

ردت أمي بثقة من لا يتردد: "المصريين من أعظم الناس في العالم، كلهم علماء ومخترعين." وكانت تكرر هذه الجملة على مسامعي كلما احتجت إليها، حتى صارت جزءاً من الهواء الذي أتنفسه في البيت. لم تحاول أمي أن تنفي الكلمة عني، ولم تطلب مني أن أثبت أنني لست مصرياً. فعلت شيئاً أذكى من ذلك بكثير، فقد غيرت معنى الخانة نفسها. فالكلمة التي كان يُراد بها إخراجي من الجماعة صارت في بيتنا وساماً يربطني بالعلماء والمخترعين. ومن هنا زُرعت في داخلي بذرة التميز، دون أن أبذل جهداً، ودون أن أعرف أنها بذرة.

الهوية التي لا تستعيرها

حين لا تجد جماعة تستعير منها هويتك، يبقى أمامك طريقان لا ثالث لهما. الطريق الأول أن تتسول الانتماء، فتقلد لهجة الجماعة وضحكتها وعداواتها، وتتنازل عن أجزاء منك واحداً بعد الآخر حتى يقبلوك. وقد يقبلونك فعلاً، لكنهم سيقبلون نسخة مزيفة منك، وستعيش عمرك خائفاً من أن يكتشفوا الأصل. والطريق الثاني أصعب في بدايته وأكرم في نهايته. أن تتوقف عن طرق الأبواب المغلقة، وتبدأ في بناء بيتك الخاص.

لم أختر الطريق الثاني لأنني كنت حكيماً، فالطفل في الثامنة لا يختار بهذا الوضوح. اخترته لأن جملة أمي أعطتني اتجاهاً. إذا كان المصريون علماء ومخترعين، فليكن العلم هو جماعتي. فصرت أراقب الطلاب المصريين وأصدقاءهم، وأتعلم كيف يذاكرون وكيف يستعدون للاختبارات. لم أكن أبحث عن جزيرة أنضم إليها هذه المرة، بل عن طريقة أعيش بها. وهذا فرق دقيق، لكنه صنع كل ما جاء بعده.

ثم وجدت عمرو. كان طالباً مصرياً، ولاحظت منذ الأيام الأولى أنه يشبهني في شيء واحد، وهو أنه لا ينتمي إلى أي مجموعة هو الآخر. فصرنا صديقين، ولم تكن صداقتنا مبنية على لون ولا لهجة ولا نسب. كانت مبنية على هدف مشترك صنعناه بأيدينا، أن نكون الأوائل، وأن تكون علاقتنا بالمعلمين ممتازة، وأن نساعد من يحتاج المساعدة من زملائنا. اثنان لا ينتميان لأحد صنعا معاً انتماءً جديداً لا يشبه انتماءات الفصل. ولم نكن نعرف أننا نؤسس، كما يؤسس الكبار، جماعة صغيرة لها قيمها الخاصة.

حين تصنع الهوية مكاناً

لاحظ المعلم ما نفعله، فرشحني لأكون المسؤول عن الفصل. كان هذا أول منصب قيادي في حياتي، وأذكر أنني حدثت نفسي يومها قائلًا: "أنا لازم اوريهم اني قدها." شعرت لأول مرة أن على عاتقي أمانة، وأن هناك من يثق بي ثقة لم أطلبها. وبقيت عريف الفصل تلك السنة وكل سنة بعدها حتى تخرجت من الثانوية. وكنت أنا وعمرو الأوائل على الصف.

تأمل المفارقة هنا. الطفل الذي لم تقبله أي جماعة في الفصل صار هو الذي يقف أمام الفصل كله. لم يحدث هذا لأنه أقنع الجماعات بقبوله، ولا لأنه صار يشبهها أخيراً. حدث لأنه توقف عن محاولة الدخول، وصنع لنفسه موقعاً لا تملكه أي جماعة. فالجماعات تتنافس على الساحة، أما هو فكان يقف في مكان آخر لا ينافسه عليه أحد. وأحياناً يكون المنتصف الذي تخشاه هو المكان الوحيد الذي ترى منه الجميع.

لا أريد أن أجمّل الأمر أكثر مما يحتمل. فعدم الانتماء مؤلم، والطفل الذي عاد إلى أمه يسألها عن تلك الكلمة كان طفلاً متألماً وليس طفلاً يتأمل الفلسفة. وكثيرون ممن لا يجدون جماعة لا يصنعون هوية، بل يصنعون مرارة تسكنهم إلى آخر العمر. الفرق بين الاثنين لا يكون غالباً في قوة الطفل نفسه، بل في صوت واحد يقول له إن اختلافه ليس عيباً. وقد كان صوت أمي هو ذلك الصوت. ولهذا أظن أن أعظم ما يقدمه الكبار للصغار ليس أن يحموهم من الإقصاء، بل أن يعلموهم كيف يحولونه إلى شيء آخر.

ما يعطيك إياه الإقصاء

بعد سنوات طويلة فهمت أن تلك الأيام في بريدة لم تكن عقبة في طريقي، بل كانت الطريق نفسه. فالذي ينتمي مبكراً إلى جماعة مريحة قد لا يضطر أبداً إلى السؤال عمن يكون. يأخذ هوية الجماعة كما هي، ويعيش بها، وقد يموت بها دون أن يعرف إن كانت تناسبه. أما الذي يُترك على الحافة، فيُجبر على طرح السؤال مبكراً، في سن لا يطرحه فيها أحد. وهذا السؤال المبكر مؤلم، لكنه يمنح صاحبه عضلة لا يملكها غيره.

وقد احتجت إلى هذه العضلة مرات كثيرة لم أتوقعها. احتجتها حين وقفت في قاعة فيها ثمانمئة طالب في مونتريال لا يعرفني منهم أحد. واحتجتها حين عدت إلى وطن تغير في غيابي حتى صار غريباً عني. وفي كل مرة كنت أتذكر ذلك الطفل الذي لم يجد جزيرته في فصل من أربعة وأربعين طالباً. لم يعد عدم الانتماء يخيفني كما كان، لأنني عرفت ما يمكن أن يُصنع منه. فمن تعلم أن يخيط ثوبه بيده لا يخشى كثيراً أن يُحرم من ثياب الآخرين.

إليك

ربما أنت الآن في المنتصف. ربما تجلس في مكتب لا تشبه أحاديث من فيه، أو في عائلة تختلف عن أحلامها، أو في مجتمع وضعك في خانة لم تخترها. لا تستعجل في تسول الانتماء، ولا تقص من نفسك ما يزعج الجماعة حتى تقبلك. اسأل نفسك بدل ذلك السؤال الذي أجبرني عليه فصل الأربعة والأربعين طالباً، ما الذي أريد أن أكون عليه لو لم يكن أحد يراقبني؟ ثم ابحث عن شخص واحد يشبهك في غربتك، فقد يكون هو بداية جماعتك الحقيقية.

لكن الهوية لا تُصنع دائماً باختيارنا وحدنا. فبعض أجزائنا يضعها الآخرون على أكتافنا قبل أن نكون مستعدين لحملها، في لحظة لا نملك فيها أن نقول لا. وهذا ما سأحكيه لك في الأسبوع القادم.

أمير الباحوث