في الرابعة والنصف فجراً، كان سلطان يقف أمام فرع مقهى في الرياض، والمطر الخفيف يبلّل كتفه. أمامه ستون شخصًا تقريبًا، وبطارية هاتفه عند أربعة عشر بالمئة. جاء من أجل كوب واحد من مجموعة محدودة، ثلاثمئة كوب فقط، صُنع بالتعاون مع علامة أزياء معروفة.
الكوب نفسه ليس شيئًا استثنائيًا. هو كوب قهوة بلون رمادي وشعارين متجاورين. لكن سلطان رأى الإعلان قبل ثلاثة أيام، وشعر بشيء صغير يشدّه من الداخل: إذا لم يذهب، فسيأتي غدًا من يحدّثه عن الكوب وهو لم يحصل عليه.
الطابور الذي لم يكن عن القهوة
الرجل الواقف أمام سلطان كان ودودًا وكثير الكلام. قال إنه حضر آخر ثلاث هبّات: حقيبة قماشية، ثم قبعة، ثم علبة شوكولاتة بغلاف خاص. سأله سلطان بدافع الفضول عن الحقيبة، وأين وضعها. ضحك الرجل وقال إنه أعطاها لابن عمّه، ثم تذكّر أن القبعة عند أخته، وأن الشوكولاتة أكلها في السيارة.

لم يكن في كلامه أسف، ولا حتى انتباه. كان يتحدث عن أشياء مرّت به كما تمرّ محطات على طريق طويل. وفهم سلطان في تلك اللحظة أن الرجل لم يأتِ من أجل الحقيبة ولا القبعة ولا الكوب. جاء من أجل شيء آخر لا يُباع على الرف.
جاء ليكون هناك. ليكتب في القصة التي سيرويها الجميع غدًا: أنا كنت في الطابور.
هذه هي الهبّة. الكلمة نفسها تشبه الريح: تأتي فجأة، تحرّك كل شيء، ثم تعبر. والعلامات التجارية اكتشفت أن الريح تُباع، وأن الناس يدفعون ثمنها بسعادة، بشرط أن تأتي ريح جديدة قبل أن تهدأ القديمة.
لكن ماذا يحدث لعلاقة كاملة بين علامة وناسها عندما تتحول كلها إلى انتظار الريح التالية؟
أول من علّم الناس أن الجديد أهم من الصالح
قبل قرن تقريبًا، كانت شركة فورد تبيع سيارة واحدة تقريبًا، هي الطراز «تي». كانت رخيصة ومتينة وبسيطة، ولم يكن لونها ولا شكلها يتغيران كثيرًا. من يشتريها يحتفظ بها سنوات طويلة، ولم يكن هذا يزعج أحدًا.
ثم جاء منافس اسمه جنرال موتورز، وكان على رأسه رجل اسمه ألفريد سلون. فكّر سلون في شيء ذكي وخطير معًا. ماذا لو غيّرت الشركة شكل السيارة كل سنة؟ لا لأن السيارة القديمة تعطّلت، بل لأن سيارة الجار الجديدة ستجعل سيارتك تبدو قديمة.
نجحت الفكرة نجاحًا كبيرًا. أوقفت فورد إنتاج الطراز «تي» عام ١٩٢٧، وتعلّمت السوق درسًا لم تنسه بعد ذلك: الناس لا يشترون ما يحتاجونه فقط، بل يشترون أيضًا ما يخبر الآخرين أنهم ليسوا متأخرين.
المهم في هذه القصة ليس السيارات. المهم أن سلون لم يغيّر المنتج، بل غيّر الشعور تجاه المنتج القديم. وهذا ما تفعله الهبّات الموسمية اليوم بأناقة أكبر وسرعة أكبر. المنتج الجديد يحمل رسالة خفية: ما اشتريته الموسم الماضي انتهى، وأنت الآن بحاجة إلى دخول القصة من جديد.
الولاء يحتاج ذاكرة، والهبّة تعيش بلا ذاكرة
فكّر في مطعم صغير في حيّك. صاحبه يعرف أنك تحب الحمص بلا ثوم، ويعرف اسم ابنك، وإذا غبت أسبوعين سألك أين اختفيت. لا يعلن عن مجموعة محدودة، ولا يصنع طابورًا قبل الفجر. ومع ذلك تعود إليه كل أسبوع.
هذا هو الولاء. أن تعود حين لا يوجد شيء جديد. أن يبقى بينك وبين العلامة شيء يتجاوز المفاجأة.
أما عميل الهبّة فمختلف. هو لا يعود إلى العلامة، بل إلى الحدث. لو سألته عن علامته المفضلة لذكر خمس علامات، ولو سألته متى زار كل واحدة منها لأجاب: يوم نزلت المجموعة. وإذا مرّ شهر هادئ بلا إعلان، اختفى كأنه لم يكن، ثم ظهر عند علامة أخرى وهو يحمل الحماسة نفسها.
هنا المفارقة التي لا تراها أرقام المبيعات في الأسبوع الأول. العلامة تنظر إلى الطابور الطويل فتقول: عندي جمهور. لكن الجمهور شيء والعلاقة شيء آخر. الجمهور يصفّق ثم يذهب إلى المسرح المجاور. أما العلاقة فتبقى بعد انطفاء الأضواء.
عميل الهبّة لا يخون علامته، لأنه لم يعدها بشيء أصلًا. هو وفيّ لشيء واحد فقط: شعور أن يكون من أوائل الحاضرين.
العلامة التي تدمن الضجيج
تبدأ الهبّة الأولى صغيرة وناجحة. ثم تأتي الثانية، ويكون على الفريق أن يتفوق على الأولى. ثم الثالثة، وعليها أن تتفوق على الثانية. يشبه الأمر ضيفًا في مجلس ضحك الجميع على نكتته الأولى، فصار مطلوبًا منه في كل زيارة أن يأتي بنكتة أقوى، وإلا خاب ظن الحاضرين.
تكبر الميزانية. تكبر الشراكات. وتقصر المدة بين الإعلانات. ويصير الفريق الذي كان يفكر في المنتج ينشغل بسؤال واحد: ماذا سنعلن الشهر القادم؟ يقلّ الوقت الذي يذهب لتحسين الشيء الأساسي الذي تبيعه العلامة كل يوم، لأن الأضواء كلها متجهة إلى الحدث القادم.
وهناك ثمن أهدأ وأخطر. حين تصنع علامة عشر شراكات في سنة واحدة، يصعب على الناس أن يعرفوا وجهها هي. كل هبّة تستعير هوية من شريك: شعاره، ألوانه، جمهوره. وبعد سنة يقف الناس أمام العلامة ولا يستطيعون أن يقولوا ما الذي تمثّله حين تكون وحدها.
كأن العلامة صارت شارعًا كثير الإعلانات، لا يتذكر المارّ منه اسم أي محل.
ماذا تفعل الهبّة بالناس أنفسهم
الأثر لا يتوقف عند الشركة. حين تصير الهبّات هي المتوقع، يتغير شيء في طريقة نظرنا إلى أنفسنا.
يبدأ الانتماء يُقاس بما تحصل عليه. من حصل على الكوب ومن فاته. من كان في الطابور ومن سمع بالخبر متأخرًا. يجلس الشباب في المجلس، ويصبح الحديث عن الأشياء التي لا يملكها إلا القليل، ثم يشعر الذي لم يحصل عليها بأنه خارج الدائرة، مع أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا.
وتتعلم الأجيال الصغيرة درسًا غريبًا: أن قيمة الشيء في أنه نادر، لا في أنه نافع أو جميل أو صُنع بعناية. ما دام الكوب ثلاثمئة فقط فهو ثمين، وما إن يصير موجودًا للجميع فقد قيمته، حتى لو بقي الكوب نفسه. وهذا يجعلنا نلاحق الغياب أكثر مما نستمتع بالحضور.
ولا ننسَ الذين لا يستطيعون الوقوف في الطابور: الموظف الذي يبدأ عمله مبكرًا، والأم التي لا تترك أطفالها، ومن يسكن في مدينة لا يصلها الفرع. الهبّة بطبيعتها تكافئ من يملك الوقت والقدرة على التواجد، ثم تحوّل ذلك إلى ما يشبه مقياس مكانة.
هل معنى هذا أن الهبّات شر؟ لا. الهبّة الجيدة تفتح الباب، وتجذب من لم يكن ينتبه، وتصنع لحظة يجتمع حولها الناس ويضحكون معًا. المشكلة ليست في وجود الهبّة. المشكلة حين تصير هي كل ما تملكه العلامة.
الريح تحرّك الشراع ولا تبني الميناء
في تجارة البحر القديمة كان الملّاح يحب الريح، لأنها تدفع سفينته. لكنه كان يعرف أن الريح لا تبني ميناءً. والميناء هو المكان الذي تعود إليه السفينة مهما تغيّر الطقس.
العلامات التي تنجو من دورة الهبّات عادة تملك شيئًا تحت الضجيج. عادة يومية صغيرة. منتج يُشترى بلا مناسبة. صوت ثابت يعرفه الناس. وعد بسيط تفي به في كل مرة، لا في الموسم الكبير فقط. هذه علامات تستخدم الهبّة كما يُستخدم الكبريت: لإشعال نار موقد، لا لتكون هي النار.
سؤال بسيط يكشف الفرق. إذا اختفى الإعلان لثلاثة أشهر، ماذا يبقى؟ إن كان الجواب لا شيء، فالعلامة لا تملك عملاء. تملك مشاهدين.
من يبيع الهبّة يشتري انتباه الناس. ومن يبني العادة يكسب ذاكرتهم.
العودة إلى الطابور
بعد أسبوعين من ذلك الفجر، وصل إلى سلطان إعلان عن هبّة جديدة. علامة ساعات هذه المرة، ومجموعة أقل عددًا وأعلى سعرًا، وطابور أطول بالتأكيد.
فتح الإعلان وقرأه، ثم نظر إلى الرف حيث يقف الكوب الرمادي. كان قد استخدمه ثلاث مرات فقط. ثم تذكّر الرجل الودود، وحقيبته عند ابن عمّه، وقبعته عند أخته، وشوكولاتته في السيارة. لم يكن يريد أن يصير ذلك الرجل.
لم يقرر سلطان أن يقاطع الهبّات، فهو ليس صارمًا إلى هذه الدرجة. لكنه في صباح الأربعاء التالي مرّ على مقهى صغير قريب من بيته، بلا إعلان ولا طابور ولا شراكة مع أحد. طلب قهوته المعتادة قبل أن يفتح فمه، لأن الشاب خلف الطاولة كان قد بدأ يحضّرها.
ابتسم سلطان وشعر بشيء لم يشعر به في الطابور. لم يكن حماسة. كان شيئًا أهدأ وأطول عمرًا.
الهبّة تجعلك تنتظر شيئًا. أما العلاقة فتجعلك تعود إلى مكان.
التعليقات