الشتاء الذي لم أستعد له
وصلت إلى كندا في شتاء 2010 لم أكن أعرف أن الشتاء يمكن أن يكون بهذه القسوة. كانت الحرارة تحت الصفر بثلاثين درجة، وكان معطفي الذي اشتريته من الرياض يبدو كأنه نكتة. مشيت من السكن إلى الجامعة في أول يوم، ووصلت وأنا لا أشعر بأصابعي.
دخلت القاعة وجلست في الصف الثالث. حولي طلاب من بلدان كثيرة، كل واحد منهم يبدو أنه يعرف ماذا يفعل هنا. طلب الأستاذ أن نعرّف بأنفسنا، فقال الأول إنه من البرازيل، وقالت الثانية إنها من النرويج، ولم يسألهما أحد شيئًا. ثم جاء دوري، وقلت إنني من السعودية.
التفتت القاعة كلها نحوي. سألني أحدهم عن الصحراء، وسألتني زميلة إن كنت أركب الجمل إلى المدرسة، وسأل ثالث عن النفط بنصف ابتسامة. ضحكت وأجبت، لكنني خرجت من المحاضرة وفي صدري شعور لم أعرف اسمه يومها.
كنت أفتقد أمي، وقهوة البيت، وصوت الأذان في الفجر. لكن الشعور لم يكن حنينًا فقط. كان شيئًا أثقل من ذلك. هؤلاء الزملاء لم يزوروا بلدي، ولم يلتقوا سعوديًا قبلي، وفهمت في تلك الليلة أنني، طوال سنوات ابتعاثي، لن أكون مجرد طالب. سأكون بلدي كله.
ما لا تستطيع الحملات قوله عني
كنت أظن قبل سفري أن سمعة الوطن مسؤولية جهات كبيرة. وزارات، وسفارات، وحملات تُعرض على الشاشات. كنت أراها أشياء بعيدة عني، يصنعها أناس في مكاتب لا أعرفها.
لكنني في كندا اكتشفت شيئًا بسيطًا. زملائي لا يشاهدون إعلانات عن السعودية، وإذا شاهدوها لا يصدقونها كثيرًا. الإعلان يمدح صاحبه دائمًا، والجميع يعرف ذلك.
أما أنا فكنت أجلس معهم كل يوم. لم يظن أحد أنني أعمل في حملة علاقات عامة. ما أقوله كان يُصدَّق، وما أفعله كان يُصدَّق أكثر.
وصرت أنتبه لأشياء لم أكن أنتبه لها في الرياض. كيف أتكلم مع موظفة المكتبة. هل أصل في موعدي. هل أعيد الكتاب في وقته. تفاصيل تافهة في بلدي، لكنها هنا صارت تحمل اسمه. وبدأ يسكنني سؤال لم أستطع التخلص منه.
إذا كانت سمعة وطني تُكتب هنا في غيابه، فمن يكتبها غيري؟
الملعب الذي بقي نظيفًا
في تلك السنوات كنت أبحث عن أمثلة تساعدني على فهم ما أشعر به. ووجدت أوضحها بعد سنوات، في صورة من كأس العالم. في صيف 2018، خسرت اليابان أمام بلجيكا في روسيا بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بعد أن كانت متقدمة بهدفين.
خسارة قاسية، من النوع الذي يجعل المشجع يرمي قبعته ويغادر. لكن المشجعين اليابانيين بقوا في المدرجات، وأخرجوا أكياسًا زرقاء، وبدؤوا يجمعون القمامة. وفي غرفة الملابس، ترك اللاعبون المكان نظيفًا تمامًا، مع ورقة صغيرة كُتب عليها "شكرًا" بالروسية.
نسي كثير من الناس نتيجة المباراة، لكنهم لم ينسوا الأكياس الزرقاء. لم تدفع اليابان شيئًا لتلك الرسالة، ولم يخطط لها أحد. المشجع كان يفعل فقط ما تعلّمه في مدرسته صغيرًا، حين كان ينظف فصله بيده.
حين رأيت الصورة، تذكرت شتائي الأول في كندا. أقوى لحظات السمعة لا تأتي حين نحاول أن نبدو جيدين، بل حين نكون كذلك دون أن ننتبه. لكنني كنت قد رأيت أيضًا الوجه الآخر من الحب.
الحب الذي يرفع صوته
من غرفتي الصغيرة في كندا، كنت أتابع ما يُكتب عن بلدي على الإنترنت. كان بعضه ظالمًا، وبعضه جاهلًا، وبعضه يبحث فقط عن الانتباه. وكنت أرى في كل مرة جيشًا من المدافعين يصل إليه.
كنت أفهم غضبهم، لأنني كنت أشعر به أيضًا. لكنني رأيت ما يحدث بعده. يجمع صاحب الإساءة أسوأ الردود في صورة واحدة، وينشرها مع جملة قصيرة: "انظروا كيف يتكلمون". فتنتشر الصورة أكثر من الإساءة نفسها.
وأحيانًا كان زملائي الكنديون يرونها قبلي. يسألونني عنها بفضول، وأنا لا أعرف ماذا أقول. في تلك اللحظات فهمت شيئًا مؤلمًا. من كتب تلك الردود يحب وطنه بصدق، لكنه أعطى الإساءة الدليل الذي كانت تبحث عنه.
السمعة لا تهتم بما نشعر به في داخلنا. تهتم بما يراه الآخرون منا. والحب الذي يرفع صوته قد يريح صاحبه، لكنه لا يخدم دائمًا من يحبه.
الوطن في التفاصيل الصغيرة
مع الوقت، توقفت عن محاولة إقناع أحد. لم أعد أصحح كل سؤال ساذج بحماس، ولم أعد أشرح تاريخ بلدي في كل جلسة. صرت أحاول شيئًا أصعب من الكلام، أن أكون الشخص الذي أتمنى أن يُعرف به بلدي.
كنت أرى زملائي المبتعثين يفعلون الشيء نفسه دون أن يتفقوا عليه. طالب يساعد زميله في مشروع لا يخصه. طالبة تتفوق في مادة صعبة فيسأل الأستاذ من أين جاءت. شاب يتطوع في جمعية الحي في عطلة نهاية الأسبوع. لم يحمل أحد منا لقب سفير، لكننا كنا نؤدي عمله كل يوم.
وفهمت هناك أن الغريب لا يرى من الوطن إلا الصغير. لا يرى الأرقام ولا الخطط الكبرى. يرى هل وفيت بموعدك، وهل أتقنت عملك حين لم يراقبك أحد، وكيف عاملته حين كان غريبًا بينكم.
الوطن الذي يُحَبّ بالكلام يحتاج دائمًا من يدافع عنه. والوطن الذي يُحَبّ بالسلوك يدافع عنه من عرفوك.
العودة إلى القاعة الباردة
في رمضان من سنتي الأولى، دعوت زملائي إلى الإفطار. طبخت كبسة بوصفة أمي عبر مكالمة فيديو استمرت ساعة ونصفًا. احترق الأرز في المحاولة الأولى، وضحكت أمي أكثر مما ساعدتني.
نجحت المحاولة الثانية. جلس حولي زملاء من بلدان كثيرة، يشربون القهوة من فناجين صغيرة لا يعرفون كيف يمسكونها. والزميلة التي سألتني في أول يوم إن كنت أركب الجمل، طلبت مني يومها أن أكتب لها أسماء المدن التي يجب أن تزورها في السعودية.
اليوم أنا في الرياض، وكندا صارت ذكرى بعيدة. لكنني ما زلت أتذكر ذلك الشتاء، وأصابعي التي لم أكن أشعر بها. أدركت بعد سنوات أنني لم أدافع عن وطني مرة واحدة هناك. كنت فقط أحمله معي، في كل صباح بارد وكل قاعة غريبة.
في عيون من لم يزر وطنك، أنت كل ما رآه منه.
التعليقات