جدٌّ في الجبيل، وحفيدة في سيول
في منتصف السبعينيات، كان أبو خالد شابًا يعمل قرب الساحل الشرقي. ما زال يتذكر العمال الكوريين الذين جاؤوا لبناء ميناء الجبيل. كانوا يسكنون مخيمات بسيطة، ويبدؤون العمل قبل الفجر، ولا يتوقفون حتى تغيب الشمس. كان يحترمهم كثيرًا. لكنه لم يفكر يومًا في زيارة بلدهم. كوريا في ذهنه بلد فقير خرج من حرب، يرسل أبناءه ليعملوا في صحارى الآخرين.
بعد خمسين عامًا تقريبًا، جلست حفيدته لمى في غرفة الجلوس تحجز رحلتها الأولى إلى سيول. عمرها تسعة عشر عامًا، ولم تسافر إلى هناك من قبل. لكنها تعرف أسماء الأحياء، وتعرف المقهى الذي جلس فيه بطل مسلسلها المفضل، وتعرف كيف تطلب طعامها بالكورية. تعلّمت كل ذلك وحدها، من شاشة صغيرة في يدها.
سألها جدها وهو يبتسم: "كوريا؟ ماذا ستفعلين هناك؟" فردّت دون أن ترفع عينها عن الهاتف: "جدي، إنها أجمل مكان في العالم." ضحك الجد، ولم يجادل. لم يكن بينهما خلاف حقيقي. كان كل واحد منهما يصف بلدًا مختلفًا، يحمل الاسم نفسه. الجبال هي الجبال. والبحر هو البحر. لم تتحرك كوريا من مكانها سنتيمترًا واحدًا خلال خمسين عامًا. ومع ذلك تغيّر كل شيء. كيف يغيّر بلدٌ ما يشعر به العالم تجاهه، دون أن يغيّر مكانه على الخريطة؟
ديناصورات بثمن مليون ونصف سيارة
في عام ١٩٩٤، وصل إلى رئيس كوريا الجنوبية تقرير غريب. لم يتحدث التقرير عن المصانع ولا عن الموانئ. تحدث عن فيلم أمريكي عن الديناصورات.
كان الفيلم "الحديقة الجوراسية". وتقول الحكاية المشهورة إن التقرير حسب أرباح هذا الفيلم الواحد، فوجدها تعادل أرباح تصدير نحو مليون ونصف سيارة كورية. مليون ونصف سيارة تحتاج مصانع وحديدًا وعمالًا وسنوات من العرق. والفيلم احتاج حكاية جيدة، وبعض الديناصورات.
كان هذا صادمًا لبلد بنى نفسه بيديه. كوريا كانت تؤمن بأن الثروة تُصنع في المصانع. تصهر المعدن، وتشحنه، وتبيعه. وفجأة اكتشف المسؤولون أن هناك نوعًا آخر من الثروة لا يُصهر ولا يُشحن.
لكن الأرقام لم تكن أخطر ما في التقرير. الأخطر كان ما لم يُكتب فيه. من يشاهد فيلمًا أمريكيًا لا يشتري الفيلم وحده. يشتري معه قطعة صغيرة من أمريكا. شوارعها، وطعامها، وطريقة ضحكها، وحلمها. ومع ذلك، بقيت الفكرة في الأدراج. الفهم وحده لا يكفي ليغيّر بلدًا. كانت كوريا تحتاج إلى شيء يهزّها أولًا.
الأزمة التي علّمت بلداً أن يحكي
جاءت الهزة بعد ثلاث سنوات فقط. في عام ١٩٩٧ ضربت آسيا أزمة مالية قاسية. انهارت شركات كبيرة، وفقد الناس وظائفهم، واضطرت كوريا إلى طلب قرض ضخم من صندوق النقد الدولي.
المشهد الذي بقي في ذاكرة الكوريين لم يكن مشهد البنوك. كان مشهد الطوابير. نساء ورجال يقفون ليتبرعوا بخواتم زواجهم وذهب بيوتهم، كي يساعدوا بلدهم على سداد ديونه. في تلك اللحظة تعلّم البلد درساً مؤلماً. من يعتمد على بيع الأشياء وحدها يبقى هشاً. المصنع يمكن أن يُنقل إلى بلد أرخص. والسيارة يمكن أن تُصنع في مكان آخر. لكن الحكاية الجيدة لا يستطيع أحد أن ينسخها بثمن أقل.
بدأت الحكومة الجديدة تتعامل مع الثقافة كصناعة حقيقية. دعمت الأفلام والموسيقى والمسلسلات والألعاب، وفتحت لها الأبواب بدل أن تعاملها كترف. لم يكن الهدف أن يصبح الكوريون مشهورين. كان الهدف أن يجد البلد طريقًا آخر إلى العالم.
وبعد سنوات قليلة، بدأت الموجة تتحرك. أطلق عليها صحفيون في الصين اسمًا بقي حتى اليوم: "هاليو"، أي الموجة الكورية. ثم حدث شيء لم يخطط له أحد بدقة. في عام ٢٠٠٢ عُرض مسلسل "سوناتا الشتاء"، ووصل إلى اليابان. وبعد مدة قصيرة، بدأت حافلات السياح اليابانيين تصل إلى جزيرة صغيرة اسمها "نامي". لم يأتوا ليروا كوريا. جاؤوا ليقفوا في المكان الذي وقف فيه عاشقان من مسلسل.
الإعلان يقول: تعال. والحكاية تجعلك تريد
كانت جزيرة نامي جزيرة عادية. أشجار، ونهر، وممرات للمشي. في بلدان كثيرة توجد جزر مثلها، ولا يعرفها أحد. لكن هذه الجزيرة صار لها ما لا تملكه الجزر الأخرى. صار لها ذكرى في قلوب أناس لم يزوروها قط.
وهنا يظهر الفرق بين طريقتين في بناء سمعة المكان. الطريقة الأولى هي الإعلان. تقريبًا كل بلد في العالم يقول الشيء نفسه عن نفسه. شواطئ جميلة، وتاريخ عريق، وشعب مضياف. تتشابه الإعلانات حتى يصعب أن تعرف أي بلد يتحدث. والناس يعرفون ذلك، فيشاهدون ولا يصدّقون كثيرًا.
الطريقة الثانية هي الحكاية. عندما تقضي ستة عشر أسبوعًا مع شخصية تحبها، تضحك معها وتقلق عليها، يتغير شيء في داخلك. شارعها يصبح شارعًا تعرفه. وطعامها يصبح طعامًا تريد أن تتذوقه. لا أحد قال لك: تعالَ. أنت الذي قررت.
لمى لم تشاهد إعلانًا سياحيًا واحدًا عن كوريا. لكنها جرّبت الطعام الكوري في مطعم صغير في الرياض قبل أن تحجز. وحفظت كلمات بالكورية قبل أن تحمل حقيبتها. رحلتها بدأت قبل التذكرة بسنوات.
وفي عام ٢٠١٢ رأى العالم مثالًا أغرب. أغنية واحدة اسمها "غانغنام ستايل" أصبحت أول مقطع على يوتيوب يتجاوز مليار مشاهدة. وفجأة صار حيّ في سيول اسمًا يعرفه أطفال في البرازيل والمغرب وأستراليا. لم تدفع كوريا ثمن إعلان واحد لهذا الحي. رقص العالم، فعرف المكان. السائح في هذه الحالة لا يأتي ليكتشف. يأتي ليتأكد. يريد أن يرى بعينه قصة صدّقها من قبل.
البلد الذي صدّر عيوبه
قد تتوقع أن البلد الذي يريد تحسين صورته سيعرض أجمل ما فيه فقط. شوارع نظيفة، وأبراج لامعة، ووجوه مبتسمة. هذا ما تفعله معظم الحملات. لكن كوريا، في أقوى لحظاتها، فعلت العكس تقريبًا.
في عام ٢٠٢٠ فاز فيلم "طفيلي" بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم. كان أول فيلم بغير الإنجليزية يفوز بها. والفيلم لم يكن بطاقة بريدية جميلة. كان عن عائلة فقيرة تعيش في شقة نصفها تحت الأرض، وعن فجوة قاسية بين الأغنياء والفقراء في سيول نفسها.
وبعد عام، شاهد مئات الملايين مسلسل "لعبة الحبار". مسلسل عن أناس غارقين في الديون، مستعدين أن يخاطروا بحياتهم من أجل المال. مرة أخرى، لم تكن هذه صورة يختارها بلد يريد أن يبدو مثاليًا.
والغريب أن العالم أحبّ كوريا أكثر. والسبب بسيط عندما نفكر فيه. الصورة الكاملة تبدو مثل إعلان، والناس لا يثقون بالإعلانات. أما البلد الذي يعرض جرحه أمامك، فيبدو مثل صديق صادق. وعندما يريك هذا الصديق شيئًا جميلًا بعد ذلك، تصدّقه.
ثم إن هذه الأعمال لم تكن عن كوريا في الأصل. كانت عن المال، والخوف، والعائلة، والحب، والطموح. أشياء يعرفها كل إنسان في كل مكان. شاهدها العالم لأنها إنسانية. ثم اكتشف، وهو يشاهد، أنها كورية.
ما لا تستطيع الحملات شراءه
في عام ٢٠٢١ أضاف قاموس أكسفورد الإنجليزي أكثر من عشرين كلمة كورية دفعة واحدة. كان بينها كلمة "هاليو" نفسها. البلد الذي كان جدّ لمى يراه فقيرًا يرسل عماله إلى الخارج، صارت كلماته تدخل لغة الآخرين. هذه أعلى درجات السمعة. ألّا يعرفك الناس فقط، بل أن تصبح جزءًا من طريقة كلامهم وأحلامهم. ولم يحدث ذلك بحملة. لم يحدث في سنة ولا سنتين. أخذ ما يقارب ربع قرن من الأفلام والأغاني والمسلسلات، الناجح منها والفاشل. وهذا ما تنساه وجهات كثيرة حين تريد سمعة سريعة. الحملة تستطيع أن تشتري المشاهدات. لكنها لا تستطيع أن تشتري الشوق.
السمعة لا تُبنى في المكان. تُبنى في خيال من لم يزره بعد.
باريس لم تصبح مدينة الحب بسبب كتيّب سياحي. صنعتها روايات وأفلام وأغانٍ عبر قرن كامل. ونيويورك يعرفها ملايين لم يمشوا في شوارعها، لأنهم عاشوا فيها داخل الأفلام. المكان يحتاج إلى أن يُحكى قبل أن يُزار.
ولهذا يتغير السؤال الذي تطرحه أي وجهة على نفسها. السؤال السهل هو: كيف نعلن عن جمالنا؟ والسؤال الأصعب هو: ما الحكاية التي نملكها، ويريد شخص في بلد بعيد أن يعيش داخلها؟ الوجهة التي تجيب عن السؤال الأول تجمع الزوار. والوجهة التي تجيب عن الثاني تصنع محبّين.
العودة إلى الميناء
عادت لمى من سيول بعد أسبوعين. أحضرت لجدها هدية صغيرة، وجلست تريه صورها على الهاتف. شوارع مزدحمة، ومقاهٍ، وجزيرة نامي تحت المطر.
ثم توقفت عند صورة مختلفة. لوحة في متحف صغير، عليها صورة قديمة بالأبيض والأسود لعمال يقفون أمام رافعة في الصحراء. قالت له إن المرشد شرح لهم أن الأموال التي أرسلها هؤلاء العمال من الشرق الأوسط ساعدت في بناء كوريا الحديثة. كوريا نفسها التي صنعت بعد ذلك المسلسلات التي أحبّتها.
نظر الجد إلى الصورة طويلًا. ربما رأى فيها وجهًا يعرفه، وربما رأى شبابه. ثم قال بهدوء: "كانوا يعملون كأن بلدهم ينتظرهم." ابتسمت لمى، وفهمت أن الحكايتين لم تكونا مختلفتين أبدًا. الجد رأى البداية، وهي رأت ما بعدها. الخريطة تقول أين يقع البلد. والحكاية تقرر إن كان أحد سيذهب إليه.
التعليقات