في صباحٍ حارّ من صباحات مكة، صعد رجلٌ على جبل الصفا ونادى القبائل واحدةً واحدة. بني فهر، بني عدي، بني هاشم. جاؤوا من كل ناحية حتى اجتمعوا عند سفح الجبل ينتظرون ما عنده. لم يكن الذي جمعهم فضولًا عابرًا، بل الرجل الذي يعرفونه جميعًا.
ثم سألهم سؤالًا غريبًا. قال لهم: لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ؟ فأجابوه بلا تردّد: ما جرّبنا عليك كذبًا.
قف عند جوابهم قليلًا. لم يقولوا: نتّفق معك، ولم يقولوا: نحبّ ما ستقول. قالوا شيئًا أبعد من ذلك. قالوا إننا نعرفك، ولم نرك تكذب يومًا. ثم تكلّم النبي ﷺ. حذّرهم، ودعاهم إلى ما لم يكن في حسبانهم. وفي اللحظة نفسها التي شهدوا فيها بصدقه، انقلب عليه بعضهم، وردّ عليه أحدهم ردًّا غليظًا وانصرف.
هنا تقف أمام مشهد لا يستقيم بسهولة. قومٌ يقولون عن رجل إنهم لم يعرفوه كاذبًا قط، ثم يرفضون كل كلمة قالها بعد ذلك مباشرة. تشهد له ألسنتهم، وتخاصمه قلوبهم. كيف يجتمع هذان الأمران في صدرٍ واحد؟
ما الذي يجعل الناس يصدّقونك قبل أن تتكلّم؟
القصة لم تبدأ في ذلك الصباح على الصفا. بدأت قبله بأربعين عاماً. فقد كان الناس في مكة يعرفون هذا الرجل باسمٍ قبل أن تنزل عليه الرسالة. كانوا يسمّونه الأمين.
ولم يكن هذا لقبًا وزّعوه مجاملة، ولا كلمة قيلت في مجلس ثم نُسيت. كان خلاصة تجربة طويلة. الاسم الذي يطلقه الناس عليك ليس رأيهم فيك، بل حصيلة ما رأوه منك مرة بعد مرة.
كان النبي ﷺ يعمل بالتجارة. يأخذ مال غيره، ويسافر به، ويبيع ويشتري، ثم يعود بالحساب كما اتُّفق، دون نقصٍ ودون التواء. حين خرج في تجارة خديجة إلى الشام، عاد معه غلامها ميسرة، فحدّثها عن أمانته في البيع وصدقه في القول. لم تكن قد رأت رحلته، لكنها سمعت عنها. وهكذا يسير الاسم؛ يمشي بين الناس قبل أن يمشي صاحبه.
ومن عامل رجلًا في السوق عرف معدنه، لأن السوق مكانٌ لا يُخفي شيئًا طويلًا. هناك تنكشف الوعود الصغيرة، وهناك يُبنى الاسم أو يسقط.
ثم جاء يومٌ كشف مكانته أمام القبائل كلها. كانت قريش تعيد بناء الكعبة، فلما بلغوا موضع الحجر الأسود اختلفوا. أرادت كل قبيلة شرف وضعه بيدها، حتى كادوا يقتتلون، وأعدّ بعضهم للحرب على حجر.
ثم اتفقوا على حكمٍ بسيط. قالوا: أول من يدخل علينا من باب المسجد نجعله بيننا حكمًا. فدخل عليهم النبي ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا. رضوا به قبل أن يسمعوا حكمه، لأنهم كانوا يعرفون الرجل قبل أن يعرفوا رأيه.
فما كان منه إلا أن بسط رداءه، ووضع الحجر في وسطه، وطلب من زعماء القبائل أن يرفعوه جميعًا من أطرافه. فحمله الجميع، ثم وضعه هو في موضعه بيده. حلّ الخلاف دون أن يخسر أحدٌ ماء وجهه. وهذه ثقةٌ لا تُشترى ولا تُطلب. تُكتسب في السنوات، ثم تظهر في اللحظة التي تحتاجها.
لكن أعمق دليل على مكانته لم يظهر في يوم الصفا، ولا في بناء الكعبة. ظهر في أخطر ليلة من حياته.
في الليلة التي اجتمع فيها رجال قريش ليقتلوه، ويقتسموا دمه بين القبائل حتى لا يُطلب به أحد، كان في بيته أماناتٌ تخصّهم. ودائعُ من أموالٍ ومتاعٍ ائتمنه عليها ناسٌ كثيرون في مكة، وفيهم من كان يدبّر التخلّص منه في تلك الليلة نفسها.
فماذا فعل بها وهو خارجٌ من مكة هربًا بحياته؟ لم يأخذها معه، ولم يقل إنهم يريدون قتلي فأنا في حلٍّ من أمانتهم. ترك عليًّا خلفه في مكة ليردّ كل وديعة إلى صاحبها، واحدةً واحدة، ثم يلحق به بعد ذلك.
تأمّل الصورة كاملة. قومٌ يخطّطون لقتله عند الفجر، وأموالهم نائمةٌ آمنةٌ في بيته. كانوا يرفضون رسالته بكل ما فيهم، لكنهم ما وجدوا سبيلًا للشكّ في يده. لو سألت أحدهم في تلك الليلة: أين تضع مالك؟ لأجابك دون أن ينتبه إلى المفارقة: عند محمد.
ولم يقف الأمر عند خصومه في مكة. بعد سنوات، وفي أرضٍ بعيدة، جلس هرقل عظيم الروم يسأل أبا سفيان عن هذا الرجل. وكان أبو سفيان يومها لا يزال على عداوته، لم يدخل الإسلام بعد. سأله هرقل: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما يقول؟ فأجاب أبو سفيان: لا. وسأله: هل يغدر ويخلف عهده؟ فأجاب: لا. لم يستطع العدوّ، حتى وهو أمام ملكٍ يتربّص، أن يخترع عليه كذبة.
انفصل في عقولهم شيئان يظنّ كثيرٌ من الناس أنهما شيءٌ واحد: ما تقول، ومن أنت. رفضوا ما يقول، وأبقوا ثقتهم فيمن هو. ولهذا كانت أمانتهم عنده، وشهادة عدوّه عليه، أصدق دليلٍ على مكانته من أي مديح.
نحن نظنّ أحيانًا أن السمعة الطيبة أن يوافقك الناس، وأن يصفّقوا لما تقول. لكن الموافقة رخيصة، وتتغيّر مع كل ريح. الثقة شيءٌ آخر، أعمق وأثبت. الناس قد يخالفونك في رأيك، ويأتمنونك على مالهم في اللحظة نفسها. مكانتك ليست في تصفيق من يحبّك، بل في ثقة من يخاصمك.
الآن عُد معي إلى ذلك الصباح على الصفا. لماذا بدأ النبي ﷺ بسؤالٍ عن خيلٍ خلف الجبل، قبل أن يقول ما جاء ليقوله؟ لم يكن يطلب منهم معلومة، فهو يعرف أنه لا خيل هناك. كان يذكّرهم بشيءٍ يعرفونه أصلًا، ويجعلهم يقولونه بألسنتهم: أنه لم يكذب عليهم قط.
لم يطلب منهم أن يثقوا بغريب. طلب منهم أن يزنوا كلامًا جديدًا بميزان رجلٍ عرفوه طوال أعمارهم. الرسالة كانت جديدة عليهم، أما صاحبها فلم يكن جديدًا. وهذا هو الفرق بين من يبدأ من الصفر يوم يحتاج الناس، ومن يطرق الباب وقد سبقه اسمه.
بعد ذلك اليوم قاوموه سنين، وآذوه، وأخرجوه من بلده. لكنهم لم يستطيعوا مرة واحدة أن يقولوا: هذا الرجل كذّاب. حاربوا دعوته، وعجزوا عن أن يمسّوا اسمه. والاسم، حين يُبنى جيدًا، يصمد حتى في وجه من يريد هدمه.
وهذا هو الدرس الذي يتجاوز القصة. المكانة لا تُصنع في يوم الحاجة إليها. تُصنع في السنوات الهادئة التي لا يبدو فيها أن أحدًا ينظر: في الوعد الصغير الذي تفي به، والأمانة التي تردّها، والحساب الذي لا تنقص منه شيئًا. ثم يأتي يومٌ تحتاج فيه أن يصدّقك الناس، فتكتشف أنك بنيت جوابهم قبل أن تسألهم.
جاء بالرسالة في يومٍ واحد، لكنه بنى الثقة في أربعين عامًا.
التعليقات