في شمال الجزيرة العربية، فوق صخرةٍ سوداء منفردة، كانت تقف قلعةٌ اسمها الأبلق، يملكها رجلٌ اسمه السموأل. لم يكن ملكًا، ولا صاحب جيشٍ كبير. لكنه كان صاحب اسمٍ، وكان يُقال عنه إنه لا يُخلف وعدًا.
قبل سنوات، مرّ به الشاعر امرؤ القيس وهو في طريقه إلى قيصر، يطلب جيشاً يستعيد به مُلك أبيه الضائع. ترك السموأل أمانةً عنده: دروعاً ثمينة ورثها عن قومه. قال له احفظها حتى أعود، ثم مضى. لكنه لم يعُد أبداً. مات في الطريق، وبقيت الدروع في القلعة، وبقي السموأل حارساً لأمانةٍ صاحبها في القبر.
ثم جاء اليوم الذي وقف فيه جيشٌ تحت القلعة. كان يقوده ملكٌ من ملوك ذلك الزمان، يريد الدروع. طلبها، فرفض السموأل، لأن الدروع أمانة، والأمانة لا تُسلَّم لمجرد أن أحدهم اشتهاها.
كان للسموأل ابنٌ خارج الأسوار، فأمسكه الملك. رفعه أمام القلعة حيث يراه أبوه بعينيه، وصاح: الدروع، أو رأس ابنك. نظر السموأل من فوق السور. رأى ابنه، ورأى الجيش، ورأى في ذهنه تلك الدروع في غرفةٍ مظلمة خلفه؛ دروعاً لا يملكها، لرجلٍ ميت. ثم قال كلمته. فذُبح الابن أمام عين أبيه، وبقيت الأمانة.
بعد ذلك بزمن، حمل السموأل الدروع إلى ورثة امرؤ القيس وسلّمها كما وعد، ثم عاد إلى قلعته وحيداً.
ولنا أن نقف هنا ونسأل سؤالًا يبدو قاسيًا. ماذا ربح هذا الرجل؟ خسر ابنه، وحفظ دروعًا ليست له، وأعطاها لأناسٍ بالكاد يعرفهم، عن رجلٍ لن يشكره لأنه في قبره. لو حسبناها بميزان اليوم، لبدت صفقةً خاسرةً تمامًا؛ ابنٌ حيٌّ مقابل حديدٍ بارد ووعدٍ لميت.
لكن العرب لم يروها هكذا. صنعوا من اسمه مثلًا ما زالوا يقولونه: «أوفى من السموأل». وحفظوا بيتًا اقترن باسمه صار عنوانًا لزمنٍ كامل: «إذا المرءُ لم يُدنَّس من اللؤم عِرضُه، فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ». دفع ابنه، وأخذ في المقابل اسمًا لا يموت.
لماذا يدفع رجلٌ عاقلٌ ابنه ثمنًا لاسمٍ لا يُلبَس ولا يُؤكل؟
للجواب، علينا أن نغادر القلعة، وننظر إلى الصحراء كلها. تخيّل أرضًا بلا دولة. لا شرطة تحرس، ولا محكمة تحكم، ولا ورقةٌ تُوثّق عقدًا، ولا سجنٌ ينتظر من كذب أو خان. رجلٌ ظلمك، فإلى من تشكوه؟ تاجرٌ خدعك، فمن يُعيد إليك حقك؟ غريبٌ نزل ضيفًا عليك في الليل، فما الذي يمنعه أن يقتلك وأنت نائم؟ لا شيء مكتوب، ولا شيء رسمي. في عالمٍ كهذا، ما الذي كان يحمي الإنسان؟ اسمه.
كان الاسم في الجاهلية يقوم بكل ما تقوم به الدولة اليوم. هو عقدك حين لا يوجد ورق. هو تأمينك حين لا يوجد قانون. وهو جيشك الصامت الذي يجعل الناس يحسبون لك ألف حسابٍ قبل أن يمسّوك. إذا قيل عن قبيلةٍ إنها تحمي جارها، لم يجرؤ أحدٌ على جارها. وإذا قيل عن رجلٍ إنه يفي بوعده، وثق الناس بكلمته دون شاهدٍ ودون كاتب.
لهذا كان العِرض عندهم أغلى من المال. المال يُسرق اليوم ويُستردّ غدًا. أما الاسم، فإذا سقط مرةً واحدة، لم تنفع بعده كل الدروع في القلعة.
ولأن الاسم كان بهذا الثقل، ظهر من يصنعه ومن يهدمه. كان الشاعر في الجاهلية أقرب إلى مؤسسة إعلامٍ كاملة في رجلٍ واحد. بيتٌ واحد من المديح يرفع قبيلةً فوق القبائل، وبيتٌ واحد من الهجاء يهبط بها إلى الأرض. لم تكن القبائل تخاف السيوف وحدها؛ كانت تخاف اللسان أكثر.
وكان لهذه السمعة سوقٌ حقيقي. في عكاظ تجتمع العرب كل عام، وهناك قبةٌ حمراء يجلس تحتها شاعرٌ اسمه النابغة الذبياني، يأتيه الشعراء واحدًا بعد واحد ينشدون، وهو يحكم بينهم. من رفعه النابغة علا اسمه العام كله، ومن ردّه هوى. سوقٌ لا يُباع فيه تمرٌ ولا قماش، بل تُشترى فيه السمعة وتُباع.
ثم إن أغلى العملات في ذلك السوق كانت الكرم. لم يكن حاتم الطائي ينحر إبله ويطعم الجائع من طيبة قلبه فقط. كان يعرف، في مكانٍ ما، أن العطاء أقصر طريقٍ إلى اسمٍ يعبر الزمن. أطعم الجائع فشبع مرة، وأطعم اسمُ حاتمٍ ذاكرة العرب ألف عام.
وتحت هذا كله كان يجري شيءٌ أعمق. لم يكن للعربي حينها صورةٌ واضحة عن خلودٍ بعد الموت، فأين يذهب حين يصير جسده ترابًا؟ إلى الذِّكر. أن يبقى اسمه يُقال على الألسنة بعد أن يغيب. كان الشعر ديوانهم وسجلّهم، وكان الخلود الوحيد المتاح أن يُحفظ اسمك في بيتٍ لا يُنسى. لذلك قاتلوا من أجل كلمةٍ تُقال فيهم، وماتوا من أجل موقفٍ يُروى عنهم، لأنهم عرفوا أن الجسد قصير، وأن الاسم وحده يستطيع أن يعبر القرون.
الآن نستطيع أن نرى المفارقة. نحن نظن أن السمعة شيءٌ سطحي؛ مظهرٌ نلمّعه، وصورةٌ نعرضها، ورغبةٌ صغيرة في إعجاب الناس. ونقول عمّن يهتم بسمعته إنه صاحب غرور. لكن في تلك الصحراء لم تكن السمعة زينةً على السطح، بل كانت الجدار الذي يحمل البيت كله.
لم تكن السمعة ما يُقال عنك خلف ظهرك. كانت العقد الخفي الذي يجعل غريبًا يثق بك قبل أن يعرفك، ويجعل عدوًّا يتردد قبل أن يقترب. لم يكن السموأل يحرس صورته حين ترك ابنه يُذبح؛ كان يحرس الشيء الوحيد الذي يحمي كل من سيأتي بعده من نسله، وكل من سيأتمن رجلًا من بيته على أمانةٍ يومًا ما.
حين لا توجد دولةٌ تحميك، يصير اسمك هو دولتك. فلنعُد إلى السموأل على سوره. في المرة الأولى بدا لنا أنه يختار بين ابنه وبين دروعٍ باردة. لكننا الآن نرى اختيارًا مختلفًا. لم يكن يوازن بين ابنٍ وحديد، بل بين حياةٍ واحدة واسمٍ ستتّكئ عليه حيواتٌ كثيرة لم تُولد بعد. لو أسلم الأمانة يومها لنجا ابنه، لكن سقط اسم بيته إلى الأبد، ولما وثق أحدٌ بعدها في كلمة رجلٍ من نسله. اختار أن يدفع مرةً واحدة، كي لا يدفع أحفاده كل يوم.
ونحن، بعد نحو ألفٍ وخمسمئة عام، ما زلنا نردد «أوفى من السموأل». وهذا وحده يعني أن الصفقة، بمقياسه هو، قد نجحت. الاسم الذي اشتراه بابنه ما زال حيًّا يُقال، بينما ذهب الملك الذي قتل الابن، ونُسي اسمه، ولم يبقَ منه إلا أنه ذلك الرجل الذي واجه رجلًا لا يُشترى.
ماتَ كل من في هذه الحكاية، وبقيت الأسماء وحدها، لأن الاسم منذ الجاهلية هو آخر ما يموت في الإنسان.
التعليقات